الحكامة البيئية والتنمية المستدامة في المغرب: نحو نموذج تنموي مندمج
يواجه المجتمع الدولي اليوم تحديات متشابكة ومعقدة تعكس طبيعة المرحلة الدقيقة التي يمر بها. فالزيادة المستمرة في أسعار الطاقة والتضخم الأقتصادي، وحالة اللايقين الدولي، والآثار المتفاقمة للتغيرات المناخية، وتراجع التنوع البيولوجي، واستنزاف الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى استمرار انتشار الفقر وعدم المساواة، تمثل جميعها إشكاليات رئيسية تهدد التقدم نحو التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، كنموذج رائد في إدماج التنمية المستدامة من خلال مكسب دسترة التنمية المستدامة كحق لكل المواطنات والمواطنين؛ وكذا من خلال اعتماد الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة 2030 التي تم إعدادها على مرجعيات واضحة دستوريا وقانونيا، والتي تعتبر ركيزة أساسية في بناء نموذج تنموي قائم على الإدماج والعدالة الاجتماعية والاستدامة ، واعتماد برامج وطنية ومحلية تجمع بين الاقتصاد الأخضر، الطاقات المتجددة، والحكامة البيئية، مع إشراك المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين في صنع القرار، فضلا على إعطاء أهمية لمشاركة المنظمات المهنية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني في إعداد السياسات العمومية وتنفيذها ومراقبتها عبر مأسسة الحوار الاجتماعي ووجود مؤسسات حكامة دستورية مستقلة لليقظة تسهر على دمقرطة الحكامة في كل أبعادها كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
سلسلة من الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والتنظيمية والمالية التي تم اتخاذها خلال العشرين سنة الماضية والتي تهدف بالأساس إلى تنمية الطاقات المتجددة، والنجاعة الطاقية، والاقتصاد في المياه، وكذا التدبير المستدام للنفايات الصلبة والسائلة والبرامج الوطنية الأخرى مثل تطهير السائل ومعالجة المياه العادمة، وجودة الهواء تمثل أدوات عملية للسعي الى ترجمة الالتزام الوطني إلى واقع ملموس، فكل برنامج ليس مجرد مشروع تقني، بل كاساس لرؤية متكاملة نحو استدامة البيئة وتعزيز وعي المواطن وانخراطه في انجاحها وتحويلها إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، تُسهم في خلق الثروة، وتوليد فرص الشغل، وتقليص الفوارق، وتعزيز العدالة المجالية، بما يرسخ مسارا تنمويا مستداما ويُعزز مكانة البلاد ضمن الاقتصادات الصاعدة.
ووفق هذا المنظور وبحكم ما توليه المملكة المغربية للنجاعة الطاقية وبحكم ما يتمتع به من إمكانات طاقية هائلة ومتنوعة تمكنه من لعب دور محوري في الاستثمارات وفق إطار ناظم يتمثل في تنزيل الاستراتيجية الوطنية للطاقة وعدة مشاريع مهيكلة، مكنته من رفع القدرة على مساهمة الطاقات المتجددة في توليد الطاقة الكهربائية إلى 52 ٪ في أفق 2030 وذلك من خلال عدة مشاريع مهيكلة، تهم الطاقة الشمسية، والطاقة الريحية، خاصة في ظل التحديات العالمية المرتبطة بالتحول نحو الطاقة النظيفة ومكافحة التغير المناخي. فالمملكة تستفيد من إشعاع شمسي قوي يصل إلى 6,5 كيلواط/م² يومياً مع حوالي 3000 ساعة شمسية سنويا، ورياح بسرعة 9,5 إلى 11 متر/ثانية على ارتفاع 40 مترا، بالإضافة إلى إمكانات كبيرة في الطاقة الحيوية تصل إلى 20 مليون ميغاواط/ساعة سنويا، وقد مكن هذا التنوع المغرب من تطوير قدرة متجددة تفوق 5 514 ميغاواط، أي أكثر من 46% من إجمالي القدرة المركبة.
ووجب التأكيد على أن الإطار القانوني المغربي المرن يقدم بيئة محفّزة للاستثمارفي الطاقات المتجددة، مع منح حق الوصول إلى الشبكة الوطنية، وإمكانية الإنتاج للاستهلاك الذاتي. كل هذه العوامل تجعل المغرب بفضل موقعه الجغرافي والجيواستراتيجي منصة استراتيجية للاستثمار الطاقي في القارة الإفريقية، مع قدرته على تصدير خبرته وتقنياته في مجال الطاقات المتجددة إلى الدول الإفريقية الأخرى، ما يمكنه من لعب دور ريادي في تعزيز الأمن الطاقي الإقليمي والاستثمار في مشاريع مشتركة عالية العائد للشركاء، وما يعزز دوره كرائد في تحقيق الأمن الطاقي المستدام في المنطقة.
وفي إطار تحسين قدرة المملكة على التكيف مع آثار تغير المناخ وبالرغم من الإكراهات الضاغطة للاثار الملموسة للتغير المناخي فقد شرع المغرب بوضع وتنفيذ المخطط الوطني للتكيف (PNA)؛ وتعزيز القدرة على التكيف بشكل ملائم مع الأولويات الوطنية والترابية ؛ وتعبئة الدعم التقني والمالي المناسب لتحقيق الأهداف المسطرة. وفي نفس السياق تم اعتماد قانون الساحل الذي يصبو إلى استصلاحه وحمايته وتثمينه. بهدف وضع الأسس الكفيلة لتحقيق التدبير المندمج لهذا المجال الهش وضمان استدامته، من خلال مأسسة اللجنة الاستراتيجية للساحل وبلورة مخطط وطني للساحل، و خارطة الطريق بهدف الاستغلال المستدام لهذا المجال.
ووجب التأكيد أن المغرب يجعل من الاقتصاد الأخضر خيارا من الخيارات المتاحة التي ستساعد على تعزيز التنمية المستدامة، وخلق فرص الشغل وجعل الاقتصاد الدائري حلا مستداما وفعالا يمكنه أن يرفع التحديات المتعلقة بالتدبير الأمثل للنفايات ولجعل النفايات موارد يجب تدويرها وتثمينها لتخفيف الضغط على الموارد الطبيعية من خلال تقوية الاطار القانوني والتشاركي والانتقال الى التثمين وتنزيل البرنامج الوطني لثتمين النفايات، فمع ارتفاع معدل النمو السكاني والتوسع الحضري، فضلا عن التغيرات في أنماط العيش، فإن إنتاج النفايات المنزلية والمماثلة لها في ارتفاع مستمر، حيث تبلغ الكمية المنتجة لهذه النفايات المنزلية حاليا في المغرب حوالي8.2 مليون طن. ومع ضعف تدابير تقليص إنتاج هذه النفايات من المصدر، يمكن أن تصل كميتها المنتجة إلى11.4 مليون طن في أفق سنة 2030، وهو ما يمثل زيادة بحوالي 39%،
التحدي الحقيقي يتجلى في كسب رهان الالتقائية والتنسيق الفعال بين مختلف الشركاء، وتوحيد الجهود لتعزيز المكاسب والمنجزات التي يؤطرها مشروع مجتمعي ونموذج تنموي مستدام، تتوفر المملكة على جميع المقومات للتقدم على مسار تحقيقه بالرغم من الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية.



















عذراً التعليقات مغلقة