كلما حل عيد الأضحى في بعض مناطق المغرب، خصوصا بسوس وعدد من المدن والقرى، يعود إلى الواجهة تقليد شعبي يعرف باسم بوجلود أو بيلماون. يظهر بعض الشباب بجلود الأضاحي وأقنعة وملابس تنكرية، ويتجولون في الأزقة والساحات وسط الموسيقى والرقص والفرجة. وقد يبدو هذا الطقس، في نظر البعض، مجرد احتفال عابر أو عادة غريبة، لكنه يحمل في عمقه دلالات اجتماعية ورمزية تستحق الفهم قبل الحكم عليها.
فالدراسات الأنثروبولوجية التي تناولت الطقوس المغربية، خاصة عند إدوارد ويسترمارك وعبد الله حمودي، تساعدنا على قراءة بوجلود باعتباره ممارسة ثقافية تجمع بين العيد، والتضحية، والقناع، والضحك، والخروج المؤقت عن رتابة الحياة اليومية.
بوجلود ليس مجرد تنكر
لا يقتصر بوجلود على ارتداء الجلود أو إضحاك الناس في الشارع. فالقناع يمنح الشخص هوية مؤقتة مختلفة عن هويته اليومية. الشاب الذي يرتدي الجلد لا يظهر باسمه العادي، بل يتحول إلى شخصية رمزية تتحرك بين الناس بحرية أكبر، وتخلق جوا من الضحك والدهشة وأحيانا الخوف الخفيف.
ومن خلال هذا التحول، يمكن فهم بوجلود بوصفه لحظة اجتماعية تسمح للجماعة بالخروج المؤقت من صرامة الحياة اليومية. ففي الأيام العادية تضبط الأعراف العلاقات بين الناس، أما في هذا الاحتفال فيصبح المجال العام مفتوحا للعب، والمزاح، والفرجة، والتفاعل المباشر بين السكان.
بين عيد الأضحى والجلد والذاكرة
يرتبط بوجلود زمنيا بعيد الأضحى، وهذا الارتباط ليس تفصيلا بسيطا. فالجلود التي تستعمل في الاحتفال تأتي غالبا من أضاحي العيد، لذلك يرجح بعض الباحثين أن هذا الطقس لا يجب عزله تماما عن سياق التضحية. فبعد لحظة الذبح، وهي لحظة دينية واجتماعية قوية، تأتي لحظة القناع والفرجة، كأن المجتمع يفتح زمنا آخر للضحك والاحتفال الجماعي.
بهذا المعنى، لا يمثل الجلد مجرد لباس، بل يمكن أن يقرأ رمزيا بوصفه امتدادا لزمن العيد، حيث يلتقي الجد بالهزل، والمقدس بالحياة اليومية، والتقاليد القديمة بأشكال التعبير الحديثة. لذلك يصعب فهم بوجلود إذا نظرنا إليه فقط كفرجة عابرة، لأنه يحمل أثرا من ذاكرة جماعية أوسع.
القناع وقلب الأدوار الاجتماعية
من أهم ما يميز بوجلود أنه يسمح بنوع من قلب الأدوار. فالشخص المقنع يستطيع أن يتحرك بحرية، وأن يمازح الناس، وأن يحتل الشارع بطريقة مختلفة. هنا تظهر وظيفة اجتماعية مهمة: الطقس لا يهدم النظام، بل يعلقه مؤقتا حتى يسمح للناس بالتنفيس والضحك وإعادة بناء الروابط بينهم.
وهذا ما يجعل بوجلود قريبا من طقوس الكرنفال في ثقافات أخرى، حيث يخرج الناس من أدوارهم المعتادة، ويرتدون أقنعة، ويمارسون نوعا من الحرية المؤقتة داخل حدود معروفة. وبعد انتهاء الاحتفال، يعود الجميع إلى حياتهم العادية، لكنهم يكونون قد عاشوا لحظة جماعية مشتركة.
فرجة شعبية وهوية محلية
في السنوات الأخيرة، لم يعد بوجلود مجرد طقس عفوي في بعض الأحياء، بل تحول في مناطق معينة إلى مهرجان منظم تشارك فيه جمعيات ثقافية وفرق فنية وساكنة محلية. وهذا التحول أعطى للطقس بعدا جديدا مرتبطا بالتراث والهوية المحلية، خصوصا في المناطق الأمازيغية التي ترى في بيلماون جزءا من ذاكرتها الثقافية.
غير أن هذا التحول يطرح أيضا أسئلة جديدة: هل ما زال بوجلود طقسا شعبيا حيا، أم أصبح عرضا موجها للجمهور؟ وهل يساعد التنظيم على حماية التراث، أم يغير معناه الأصلي؟ هذه الأسئلة مهمة، لأن كل تراث حي يتغير مع الزمن، لكنه يحتاج إلى توازن بين المحافظة والتجديد.
بين الجدل الديني والثقافي
يثير بوجلود أحيانا نقاشا بين من يعتبره تراثا شعبيا مغربيا، ومن يراه ممارسة غريبة أو غير مفهومة. لكن القراءة العلمية تساعد على تجاوز الأحكام السريعة. فالمجتمعات لا تعيش الدين والثقافة والعادات في خانات منفصلة دائما، بل تدمج بينها بطرق معقدة. لذلك لا يمكن فهم بوجلود إلا داخل سياقه المغربي، حيث تتداخل طقوس العيد، والفرجة الشعبية، والذاكرة المحلية، وحاجة الناس إلى الاحتفال الجماعي.
إن بوجلود ليس مجرد تنكر عابر بعد عيد الأضحى، بل ممارسة شعبية تحمل، في عدد من المناطق المغربية، ذاكرة جماعية غنية بالرموز. فهو يجمع بين الفرح والفرجة، وبين القناع والضحك، وبين العيد والحياة اليومية. وتساعدنا قراءات باحثين مثل ويسترمارك وحمودي على فهمه بعيدا عن الأحكام الجاهزة، باعتباره تقليدا متحولا تتغير أشكاله من منطقة إلى أخرى، لكنه يظل جزءا من التراث الشعبي الذي يحتاج إلى قراءة هادئة تحترم سياقه الثقافي والاجتماعي.






















عذراً التعليقات مغلقة