تعد النفايات الطبية من أبرز التحديات البيئية والصحية التي تواجه العراق في الوقت الحاضر، إذ تمثل مشكلة متنامية نتيجة الزيادة في أعداد المستشفيات والمراكز الصحية وضعف إمكانيات الإدارة البيئية حيث تتسبب هذه النفايات في أضرار جسيمة إذا لم تعالج بطرق صحيحة كونها تحتوي على مواد ملوثة بيولوجيا وكيميائيا يمكن أن تلحق الأذى بالإنسان والبيئة معا.
تعريف النفايات الطبية وخطورتها:
النفايات الطبية هي كل ما ينتج عن الأنشطة الصحية من أدوات حادة ومواد ملوثة بالدم وسوائل الجسم والمحاليل الكيميائية والمستحضرات الصيدلانية المنتهية الصلاحية ويعد التعامل غير السليم معها خطرا مباشرا على صحة الإنسان إذ يمكن أن تنقل أمراضا معدية مثل التهاب الكبد الفيروسي والإيدز كما يؤدي التخلص العشوائي منها إلى تلوث الهواء والمياه والتربة.
عند حرق هذه النفايات بطرق غير صحيحة أو دفنها دون معالجة تطلق مواد سامة في الهواء مثل الديوكسينات والفورانات وهي مواد مسرطنة تؤثر في صحة الإنسان على المدى الطويل كذلك يمكن أن تتسرب المواد الكيميائية والمعادن الثقيلة إلى المياه الجوفية أو الأراضي الزراعية مما يضر بالنظام البيئي ويؤثر في سلامة الغذاء والمياه.
واقع إدارة النفايات الطبية في العراق:
تعاني إدارة النفايات الطبية في العراق من ضعف واضح في البنية التحتية والتقنيات المستخدمة في الجمع والنقل والمعالجة ففي كثير من المستشفيات تخلط النفايات الطبية بالنفايات الاخرى لعدم وجود نظام فعال للفرز كما أن عمليات النقل تتم أحياناً من دون وسائل أمان كافية أما الحرق فيجري غالبا في محارق بدائية لا تحقق درجات الحرارة المطلوبة مما يؤدي إلى انبعاث غازات سامة ومركبات ضارة.
تعد الرقابة الحكومية على عمليات التخلص ضعيفة رغم وجود لوائح وتشريعات تنظم هذا القطاع مثل قانون إدارة النفايات الطبية الصادر عام ألفين وخمسة عشر إلا أن تطبيقه لا يزال محدودا كما أن قلة الوعي لدى العاملين في المؤسسات الصحية تسهم في تفاقم المشكلة إذ لا يحصل الكثير منهم على تدريب كاف حول كيفية التعامل مع النفايات الخطرة.
التأثيرات الصحية والبيئية :
تؤدي النفايات الطبية إلى انتشار الأمراض المعدية بين العاملين في المستشفيات وعمال النظافة وسكان المناطق القريبة من مواقع التخلص نتيجة التماس المباشر أو استنشاق الغازات المنبعثة من الحرق كما تؤدي إلى تلوث بيئي واسع إذ تتسرب المواد الكيميائية إلى التربة والمياه مسببة خللاً في النظام البيئي وتراجعا في جودة الموارد الطبيعية.
الهواء في المناطق القريبة من مواقع الحرق يتلوث بالغازات السامة ما يؤدي إلى زيادة أمراض الجهاز التنفسي والحساسية بين السكان أما التربة والمياه الملوثة فتؤثر على المحاصيل الزراعية وعلى الثروة الحيوانية مما يجعل تأثير النفايات الطبية شاملاً لكل عناصر البيئة.
العوامل المسببة لتفاقم المشكلة :
تتداخل عدة عوامل في جعل مشكلة النفايات الطبية في العراق أكثر تعقيدا من بينها ضعف البنية التحتية وغياب أجهزة المعالجة الحديثة ونقص الموارد المالية وضعف الرقابة الحكومية كما ساهمت الظروف الأمنية والسياسية خلال السنوات الماضية في تعطيل تطوير أنظمة بيئية فعالة وتؤدي قلة التوعية المجتمعية وضعف التدريب لدى العاملين إلى تفاقم المخاطر الناتجة عن سوء الإدارة.
الجهود والمبادرات :
بدأت وزارة الصحة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتنفيذ مشاريع لتحسين إدارة النفايات الطبية تضمنت تجهيز بعض المستشفيات بأجهزة تعقيم متطورة وإنشاء محطات خاصة للمعالجة كما أطلقت حملات توعية وتدريب للعاملين في المجال الصحي حول أساليب الفرز والتعامل الآمن مع النفايات الخطرة إلا أن هذه الجهود ما زالت محدودة مقارنة بحجم المشكلة وتحتاج إلى دعم مالي وتقني أكبر لتغطي جميع المحافظات.
الحلول المقترحة :
تتطلب معالجة خطر النفايات الطبية في العراق اعتماد نهج متكامل يبدأ من داخل المنشآت الصحية بفرز النفايات في المصدر وتخصيص أكياس وألوان محددة لكل نوع من أنواع النفايات مع تدريب الكوادر الطبية والفنية على التعامل الآمن معها كما ينبغي تطوير منظومة النقل والمعالجة باستخدام تقنيات صديقة للبيئة مثل أجهزة التعقيم بالبخار أو الحرق في أفران محكمة الإغلاق.
ينبغي أيضا تفعيل القوانين البيئية وتشديد الرقابة على المستشفيات والمراكز الصحية ومحاسبة الجهات المخالفة إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات الصحية والبيئية والمجتمع المحلي لنشر الوعي حول خطورة التخلص العشوائي من النفايات.
تشكل النفايات الطبية في العراق خطرا حقيقيا يهدد صحة الإنسان وسلامة البيئة ولا يمكن الحد من آثارها إلا من خلال تكامل الجهود بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والمؤسسات الصحية فالإدارة السليمة للنفايات الطبية ليست مجرد واجب بيئي بل هي مسؤولية إنسانية وأخلاقية تهدف إلى حماية الأجيال الحالية والمستقبلية من مخاطر التلوث والأمراض.
الدكتور الاستشاري
محمد خضر الجبوري
خبير البيئة والمُناخ




















عذراً التعليقات مغلقة