في سياق النقاش العمومي حول مستقبل القطيع الوطني بالمغرب، نقترح عليكم مقالا للمستشار والخبير الفلاحي رياض وحتيتا، يقدم فيه تصورا عمليا لتجاوز المقاربة الظرفية نحو سياسة أكثر استدامة في تدبير الثروة الحيوانية. وتكمن أهمية المقال في ربطه بين الأمن الغذائي، وتأطير المربين، وتحسين السلالات، وتطوير الأعلاف، وإدماج البحث العلمي في الإنتاج الحيواني.
أبانت مناسبة عيد الأضحى لهذه السنة أن الإجراءات الموسمية والدعم الظرفي المباشر لم يعودا كافيين لمعالجة أزمة القطيع الوطني، بعدما كشفت الأسواق، بوضوح، عن نقص في الأضاحي وارتفاع كبير في الأسعار. فالمغرب يحتاج سنويا إلى ما يقارب 5,5 إلى 6 ملايين أضحية لتغطية الطلب الوطني خلال العيد، في حين ظلت الأعداد المتوفرة محليا هذه السنة دون مستوى الوفرة المطمئنة للأسواق.
ولا تطرح هذه الوضعية سؤال العرض والطلب فقط، بل تطرح أيضا سؤال استدامة منظومة الإنتاج الحيواني في ظل توالي سنوات الجفاف، وارتفاع كلفة الأعلاف، وتراجع المراعي، وتزايد الضغط على الموارد المائية. ومن ثم، فإن أزمة القطيع الوطني لا يمكن التعامل معها باعتبارها أزمة موسمية مرتبطة بعيد الأضحى وحده، بل ينبغي النظر إليها كجزء من إشكالية أوسع ترتبط بالأمن الغذائي، وبقدرة المجال القروي على الصمود أمام التحولات المناخية والاقتصادية.
من الاكتفاء الذاتي إلى الوفرة: ضرورة ضبط المفاهيم
في هذا السياق، يتعين التمييز بين مفاهيم غالبا ما يقع الخلط بينها. فالنقاش في المغرب يدور، في الغالب، حول تحقيق الاكتفاء الذاتي، لا حول بلوغ الوفرة، مع أن الأمر يتعلق بمرحلتين مختلفتين من الناحية الاقتصادية والإنتاجية. فالاكتفاء الذاتي يعني تغطية الطلب الداخلي بشكل تقريبي، دون توفر هامش مريح داخل السوق، بينما تعني الوفرة تجاوز حجم الطلب بكمية كافية تسمح باستقرار الأسعار ومرونة العرض. أما الفائض، فيمثل المرحلة التي يتجاوز فيها الإنتاج حاجيات السوق الوطنية، على نحو يسمح بالتصدير أو التخزين الاستراتيجي.
وبناء على ذلك، فإن مجرد الوصول إلى الاكتفاء الذاتي لا يكفي، وحده، لخفض أسعار الأضاحي بشكل كبير، لأن تراجع الأسعار يرتبط، أساسا، بتحقيق الوفرة واستقرار الإنتاج لعدة سنوات متتالية. كما أصبح من الضروري تحيين حاجيات المغرب من الأضاحي واللحوم الحمراء كل ثلاث سنوات، وفق تطور عدد السكان، ومستوى الاستهلاك، وتغيرات القطيع الوطني، حتى تبقى السياسات الفلاحية مواكبة للواقع الحقيقي للسوق الوطنية.
السلالات المحلية رافعة للتأقلم مع الجفاف والأمراض
يفرض الواقع الحالي الانتقال من منطق التدخلات المؤقتة إلى سياسة حقيقية لتعزيز القطيع الوطني، تبدأ بتوسيع مجال السلالات المحلية التي أثبتت قدرتها على التأقلم مع الجفاف والأمراض. ولا يكتسي هذا التوجه أهمية إنتاجية فحسب، بل يحمل بعدا بيئيا أيضا، لأن الاعتماد على سلالات متأقلمة مع الخصوصيات المناخية والمجالية يمكن أن يخفف الضغط على الموارد، ويقوي قدرة القطيع الوطني على الصمود أمام التقلبات المناخية.
ومن شأن هذا الاختيار أن يساعد كذلك على توسيع مجال تأطير الكسابة من طرف الجمعية المغربية لمربي الأغنام والماعز، وتعزيز المواكبة التقنية للمربين بمختلف الجهات. كما ينبغي أن يتحول دعم القطاع إلى دعم مؤسساتي بعيد المدى، يقوم على الاستثمار في الإنتاج، والتأطير، والتحسين الوراثي، والأمن العلفي، بدل الاقتصار على تدخلات ظرفية مرتبطة بالمواسم والأزمات.
التحسين الوراثي والبحث العلمي في خدمة إنتاج حيواني مستدام
أصبح من الضروري إحداث مراكز جهوية للتلقيح الاصطناعي، لا ينحصر دورها في التلقيح فقط، بل يمتد إلى التحسين الوراثي مخبريا، واعتماد تقنيات حديثة مثل Superovulation لتكثيف الولادات، وSexage لاختيار جنس المواليد حسب حاجيات الإنتاج. ومن شأن هذه الآليات أن تسرع إعادة تكوين القطيع وتحسن مردوديته.
وينبغي أن يتم ذلك مع إدماج الأساتذة الجامعيين والخبراء والباحثين في مجالات البيوتكنولوجيا والإنتاج الحيواني، حتى تتحول هذه المراكز إلى فضاءات للبحث العلمي والتكوين ونقل التكنولوجيا. ويمكن لهذه المراكز أن تتحول، كذلك، إلى قطب اقتصادي وعلمي حقيقي، يخلق مناصب شغل جديدة للأطباء البياطرة والتقنيين والباحثين، ويولد دينامية اقتصادية داخل العالم القروي.
كما أن تطوير هذا المجال سيعزز مكانة المغرب كمنصة إقليمية قادرة على نقل الخبرة والتكنولوجيا الأوروبية في ميدان التحسين الوراثي والإنتاج الحيواني نحو الدول الإفريقية، خاصة في ظل التوجه المتزايد نحو التعاون الفلاحي جنوب-جنوب.
الأعلاف البديلة وترشيد استعمال الماء
في ظل الارتفاع الكبير لتكاليف التغذية وتراجع المراعي، يجب دعم الأعلاف البديلة، مثل الشعير المستنبت والبونيكام، باعتبارها حلولا قادرة على تقليص تكلفة الإنتاج وتوفير أعلاف ذات قيمة غذائية مهمة، مع استهلاك مائي أقل. وحتى في السنوات الممطرة، لا يمكن ضمان استمرارية التساقطات أو استقرار الظروف المناخية، وهو ما يجعل البحث عن بدائل علفية مستدامة ضرورة استراتيجية، وليس مجرد حل ظرفي مرتبط بفترات الجفاف فقط.
وتكتسي هذه البدائل أهمية خاصة من زاوية بيئية، لأنها تفتح المجال أمام أنماط تغذية أقل ارتهانا للتقلبات المناخية، وأكثر قدرة على التكيف مع ندرة المياه وتراجع المراعي الطبيعية. ولذلك، فإن إدماجها ضمن سياسة عمومية واضحة يمكن أن يخفف من هشاشة المربين، ويساعد على استقرار الإنتاج، ويحد من أثر الجفاف على القطيع الوطني.
التهجين الصناعي وتحسين جودة الإنتاج
يجب تشجيع الكسابة على اعتماد التهجين الصناعي Croisement industriel، مع تخصيص دعم لهذه العملية، لما لها من دور في تحسين المردودية، وتسريع النمو، والرفع من جودة اللحوم. وقد يساعد هذا التوجه، مستقبلا، على استخلاص سلالات جديدة قادرة على مقاومة الظروف المناخية الصعبة، مع الحفاظ على إنتاجية مرتفعة، على غرار سلالة الميرينوس Merinos، ذات الأصول المغربية، التي تم تطويرها بإسبانيا وأصبحت من أشهر السلالات عالميا.
ولا ينبغي النظر إلى التهجين الصناعي باعتباره آلية إنتاجية فقط، بل يمكن اعتباره جزءا من مقاربة شاملة لتحسين كفاءة القطيع، وتقليص الكلفة، ورفع جودة المنتوج، شريطة أن يتم ذلك وفق تأطير علمي وتقني يراعي الخصوصيات المحلية والتوازنات البيئية.
نحو سياسة مبنية على المعطيات وتحول الأجيال
إن ما أظهرته الأسواق خلال عيد الأضحى يجب أن يشكل نقطة انطلاق لمراجعة حقيقية لسياسات تدبير قطاع الماشية، مع ضرورة إنجاز دراسات ميدانية دورية حول سلوك المستهلك المغربي خلال المناسبات الدينية، وتطور الطلب على الأضاحي، ومدى ارتباط الأسر بهذه الشعيرة مستقبلا.
كما ينبغي دراسة نسبة توريث تربية المواشي للأجيال الشابة، لأن استمرار عزوف الشباب عن هذا القطاع قد يشكل تهديدا حقيقيا لاستدامة القطيع الوطني مستقبلا. فتربية المواشي لا تمثل فقط نشاطا اقتصاديا، بل تؤدي أيضا دورا اجتماعيا وثقافيا مهما في الحفاظ على الاستقرار داخل العالم القروي، وضمان الأمن الغذائي الوطني.
ومن ثم، فإن تطوير القطيع الوطني لا يجب أن ينحصر في رفع أعداد الرؤوس فقط، بل ينبغي أن يندرج ضمن رؤية أوسع، تربط بين الأمن الغذائي، واستدامة الموارد الطبيعية، وتأهيل العالم القروي، وتشجيع الأجيال الشابة على الانخراط في قطاع حيوي لمستقبل المغرب.




















عذراً التعليقات مغلقة