الحلقة 9: أنشطتي في مراكش خارج إطار الوظيفة العمومية
أنشطتي خارج عملي الوظيفي كانت جد محدودة بسبب كثرة الانشغالات في عملي الإداري وحتى في العطل الأسبوعية في أغلب الأحيان، لأن مدينة مراكش كانت تحتضن تظاهرات وطنية ودولية كثيرة، وكنا كثيرا ما نشارك فيها.
– النشاط الثقافي والإعلامي والجمعوي:
أذكر أنني كتبت ونشرت عددا محدودا من المقالات، ومشاركاتي القليلية في البرامج الإذاعية كانت كلها ممثلا للإدارة التي أعمل فيها، والأمر نفسه بالنسبة للحوارات والتصريحات مع الصحافة المكتوبة. ولا أذكر أن كان لي لقاء تلفزيوني وفي الغالب لم يكن.
أما المحاضرات والأنشطة الثقافية الأخرى خارج عملي الوظيفي فهي أيضا كانت محدودة.
كما أنه لم يكن لدي أي نشاط جمعوي، بحيث لم أنضم إلى أية جمعية، والجمعية الوحيدة التي ساهمت في تأسيسها هي جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي قطاع إعداد التراب الوطني ولم أتول أية مهمة فيها.
– النشاط الجامعي والعلمي:
كانت لي علاقة مع الجامعة كما هي عادتي دائما، لأني أحب أن أبقى دائم التواصل مع الأساتذة والطلبة ومتابعا للأنشطة الجامعية العلمية وللبحث العلمي، كنت أحضر بعض الندوات العلمية ومناقشات الرسائل الجامعية، كما شاركت محاضرا في نشاطين جامعيين:
المحاضرة الأولى، كانت في ندوة حول الخرائط نظمها الفرع الجهوي للاتحاد الجغرافي المغربي في مراكش في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، وكانت مداخلتي حول الخريطة السوسيو-مجالية.
المحاضرة الثانية، كانت في نفس الكلية بعنوان “تدهور المجال المبني بالمدينة المغربية العتيقة: فاس نموذجا”، وهي عبارة عن مداخلة في الملتقى الوطني السادس للباحثين في جغرافية المدن حول موضوع “المدينة المغربية العتيقة: إشكالياتها وتحدياتها المستقبلية” المنعقد يومي 7 و8 مارس 2002، ونشرت أعمال الملتقى كاملة في عام 2003.
وفي مجال البحث العلمي، انكببت على بحث كنت قد بدأته في فاس، وكان موضوعه هو المصطلحات الجغرافية في القرآن الكريم، مستفيدا من توجيهات مدير معهد الدراسات المصطلحية آنذاك الدكتور الشاهد البوشيخي. ولا أذكر كم استغرق البحث من الزمن، لكني أنهيته وحاولت نشره آنئذ في إحدى المجلات العلمية المحكمة التي كانت تصدر من دولة عربية خليجية. ومع زحمة الأعمال والانشغالات نسيته، ولم أتذكره إلا في عام 2023 فقمت بتنقيحه ونشره على شكل كتاب.
– بعض ذكرياتي الخاصة بالتراث المعماري في مدينة مراكش:
لي عدة ذكريات في زياراتي المستمرة للمعالم الأثرية بمدينة مراكش، كما لا زلت أذكر بعض الأحداث التي وقعت وكانت لها علاقة بتراث المدينة، وأهم هذه الذكريات والأحداث:
– قصة اكتشاف صدفة صهريج تحت أرضي خلف مسجد الكتبية أثناء القيام ببعض أعمال الصيانة.
– قصة تهديد اليونسكو بسحب تصنيف ساحة جامع الفنا كتراث شفوي عالمي، بسبب أشغال الحفر التي بدأت في جزء منها، مما اضطر المسؤولين عن هذه الأشغال إلى توقيفها وإعادة الوضع كما كان.
– أذكر حينما صعدت لأول مرة صومعة الكتبية، شاهدت منقوشات كثيرة على جدران الصومعة، عبارة عن رسومات للعمال والحرفيين الذين شاركوا في بناء الجامع والصومعة، ولا زالت مستمرة لحد الآن بعد عدة قرون. أذكر أن الرسومات في الغالب كانت عبارة عن أشكال الزخارف التي زينوا بها جدران وأسقف الجامع والصومعة أي “كروكيات” كما هو متعارف عليه اليوم، كما كانت هناك رسومات للسفن وذلك لأن العمال الذين كانوا يقومون ببناء الصوامع وزخرفتها كانوا بحارة في الأصل لأنهم متعودون على العمل في الأماكن المرتفعة، فكان رسم السفن هو تعبير عن شوقهم وحنينهم للبحر ولعملهم على ظهر السفن.
الصومعة التي يبلغ ارتفاعها 77 مترا وقاعدتها حوالي 13 مترا، كانت تتكون في داخلها من ست حجرات، واحدة فوق الأخرى، ولصعود الصومعة هناك منحدر داخلي وليس سلم أو أدراج، وكان المؤذن يصعد إليها راكبا على جواده ليؤذن. وأذكر أن زخارف كل حجرة كانت تختلف عن زخارف الحجرات الأخريات، وربما كانت هناك مقرنصات، ولما زرت صومعة خيرالدة وجدت شبها كبيرا بينهما.
– والمشهد الذي آلمني ولا يزال يؤلمني، هو الحالة المتردية التي كانت لضريح يوسف ابن تاشفين، حيث أصبت بالصدمة لما زرته أول مرة، كان مغلقا واحتجنا لندخل إليه أن نطلب من سيدة أن تأتي بالمفتاح وتفتح بابه، وكان الضريح غير نظيف وجدرانه متصدعة. كان الناس وأغلب زوار المدينة من المغاربة والأجانب يمرون بجانبه، لأنه كان يقع في منطقة سياحية بين جامع الكتبية وباب أكناو، ولا يعرفون أنه ضريح شخصية عظيمة في تاريخ المغرب بل في تاريخ الإسلام، فهو مؤسس مدينة مراكش وبطل معركة الزلاقة التي أنقذت الأندلس من السقوط. وحتى بعدما تم ترميمه في السنوات الأخيرة لا يزال ضريحه غير معروف ولا يبرمج في المسارات السياحية للمدينة وغير معتنى به بالشكل الذي يناسب عظمة هذه الشخصية. وليس هناك أي تفسير مقنع لهذا التجاهل والإهمال الكبير.
– لما كنت أزور ساحة جامع الفنا، كنت أنزعج من مضايقات الزوار من بعض منشطي الساحة الذين يطلق عليهم المغاربة “الحلايقية”، تتمثل هذه المضايقات في طلب المال مقابل عروضهم أو الصور التي التقطت لهم أو يطلبون بإلحاح من الزوار أن يشاهدوا عروضهم… وكنت أقول في نفسي لماذا لا تقوم مؤسسات عمومية بتوفير رواتب للحلايقية حفظا لكرامتهم ولكي لا يتم إزعاج السواح. وكان أصدقائي المراكشيون يستاؤون من هذا الانتقاد، وحكى لي أحدهم أن الجماعة خصصت فعلا منحا لهم في وقت مضى، وأن الساحة لا تعرف فوضى كما يتصور بل هي منظمة جيدا وهناك أعراف للحلايقية هي المرجع الرئيسي في هذا التنظيم. ومع ذلك أكرر مطلبي بتقنين عروض الساحة وأصحاب الأكلات في الليل والمراقبة الصحية.
– زيارتي لأوكايمدن لرؤية النقوش الصخرية، حيث تزامنت الزيارة مع تساقط الثلوج والبرد الشديد، وكانت النقوش الصخرية في مرتفع، ولأول مرة في حياتي كنت أرى السحب تحتنا.






















عذراً التعليقات مغلقة