الدكتور أشرف عمران يكتب : السيادة الدولية والسيادة البيئية

ECO1717 يونيو 2025
الدكتور أشرف عمران يكتب : السيادة الدولية والسيادة البيئية
الدكتور أشرف عمران- خبير دولي في مجال الأمن المائي والغذائي

يشكل تغير المناخ تهديدا حقيقيا للعالم وللمنطقة العربية، خاصة في البلدان الساحلية: تونس، الجزائر، ليبيا، المغرب، ودول الخليج، ودلتا النيل بمصر. وسوف يصبح الحفاظ على المناخ والسيطرة على التلوث من أولويات الأمن القومي وضرورة للمستقبل لتفادي الأزمات. لهذا، نحتاج إلى جيل واع وصحي، لأن التلوث يتسبب في التأخر العقلي للنشء، ويؤدي إلى التعرض للعديد من الكوارث والأزمات التي مررنا بها، وما نتوقعه من زيادة تأثيرها نتيجة تفاقم التلوث، نحن مسؤولون عنه من حيث السلوك، سواء على مستوى الدولة، أو المؤسسات الصناعية والخدمية، أو الأفراد، نتيجة عدم الحرص على تحقيق بصمة كربونية منخفضة إلى حد ما.

ومن أهم أسباب التلوث الانبعاثات الناتجة عن الغازات الضارة مثل حرق الوقود الأحفوري (نفط، فحم، غاز) لإنتاج الطاقة والنقل والصناعة. فعند الاعتماد على الفحم، يصدر لكل كيلواط ما يعادل ثلاثة كيلوغرامات من ثاني أكسيد الكربون، وهذه أرقام كبيرة، بالإضافة إلى إزالة الغابات، ما يتسبب في تقليل قدرة الأرض على امتصاص CO₂.

ومع تزايد عدد السكان، نتجه نحو الزراعة المكثفة، والتي يترتب عليها انبعاثات الميثان من الماشية وزراعة الأرز، وأكسيد النيتروز من الأسمدة المستخدمة بشكل غير دقيق. كما تتسبب العمليات الصناعية عموما في انبعاثات غازات دفيئة قوية مثل مركبات الكربون الهيدروفلورية (HFCs).

وغالبا ما تنتج مكبات النفايات انبعاثات الميثان ومخلفات أخرى، وكل هذه الظواهر تتطلب التوجه نحو الزراعة الذكية والزراعة الرقمية. كما يجب اعتماد جميع أدوات الكود والحوسبة والرقمنة لرصد الحقائق بدقة ووضع خطط للحلول.

إذا لم نسرع في ذلك، سيسرع تغير المناخ من وتيرته، متسببا في ارتفاع درجات الحرارة، وتغيرات في التساقطات المطرية، وتمدد البحار، وارتفاع مستوى سطح البحر، وكل هذا يؤثر على الأمان والاستقرار الوجودي. فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة موجات الحر الشديدة وتكرارها ومدتها، وزيادة تبخر المياه، واشتداد الجفاف، وضغط على صحة الإنسان (ضربات شمس، أمراض تنفسية، زيادة استهلاك الطاقة للتبريد). ويرافق ارتفاع درجات الحرارة ارتفاع في مستوى سطح البحر نتيجة التمدد الحراري للمياه وذوبان الجليد في القارة القطبية، مما يؤدي إلى تآكل السواحل وغمر المناطق الساحلية المنخفضة، ويسبب تملح التربة وتسرب الأملاح إلى الآبار الجوفية، وارتفاع مستوى سطح المياه مع سوء عملية الصرف، مما يؤثر على الزراعة عموما، نتيجة تسرب مياه البحر المالحة إلى الخزانات الجوفية والتربة الساحلية، ما يؤدي إلى تآكل الشواطئ وتهديد البنية التحتية، وغمر الطرق والموانئ والمنشآت الساحلية والمناطق السكنية، بما في ذلك المنشآت الواقعة على الشواطئ مثل محطات التحلية ومحطات إنتاج الكهرباء بمياه البحر.

يتسبب تغير المناخ في زيادة شدة تساقط الأمطار الغزيرة، واختلال أنماط التساقط في بعض المناطق، مما يؤدي إلى فيضانات مفاجئة، وزيادة فترات الجفاف وشدتها في مناطق أخرى، وعدم انتظام مواسم الأمطار، مما يهدد الزراعة البعلية وإدارة الموارد.

وما يهمنا هنا هو الدول العربية، وخاصة مصر ودلتا النيل، حيث تعتبر الحالة حرجة. فدلتا النيل منخفضة جدا (أقل من متر فوق سطح البحر في مناطق واسعة) وتربتها طينية هشة، مما يجعلها من أكثر المناطق المهددة في العالم بارتفاع مستوى البحر.

تشير تقديرات علمية إلى أن ارتفاع البحر بمقدار متر واحد قد يغمر ما بين 16% و30% من الدلتا. وهذه نظريات افتراضية، وكلمة “غمر” لا تعني بالضرورة “غرق”، بل تؤدي إلى ضعف الإنتاجية وتقليل الاعتماد عليها. لذا، ناديت منذ 2007 بالعمل على إنشاء دلتا جديدة، وتم تحديد مكانها بناء على الأبحاث والدراسات، في مناطق الاستقرار المناخي بين خط عرض 23 شمالا وجنوب خط الاستواء، أي وسط وغرب إفريقيا، بما فيها السودان، ومنطقة أسوان، والأقصر، وقنا، الواقعة في مدار 22 درجة. هذه المناطق تمثل “الدلتا الجديدة” أو “الدلتا البديلة”. وأدعو لاستخدام الدلتا القديمة في استخدامات اقتصادية تدريجيا، وبنسب تتوافق مع المناطق المعرضة للتملح. رغم المجهودات المبذولة من إنشاء مصدات للأمواج وغيرها، حفاظا على ما يمكن الحفاظ عليه، يبقى التملح متسارعا.

ورغم اعتمادنا على مياه النيل في الري، فإن ارتفاع مستوى البحر يدفع المياه المالحة تحت الأرض (تسلل مياه البحر) لمسافات أكبر داخل اليابسة، مما يرفع منسوب المياه الجوفية المالحة ويجعل التربة غير صالحة للزراعة، حتى مع توافر مياه الري العذبة من النيل. وهنا، لكي تنتج أراضي الدلتا بصورة جيدة، يلزمها عملية غسيل من الأملاح، وتحتاج إلى زيادة معدل الري بمياه النيل، في حين أننا في أزمة حقيقية للمياه. وحالنا لا يختلف عن البلاد الساحلية مثل دول المغرب العربي، وخاصة المملكة المغربية وتونس. فهذا التدهور في جودة الأراضي، ذات الملوحة العالية، يقتل المحاصيل ويقلل الإنتاجية الزراعية بشكل كبير، مما يهدد الأمن الغذائي. كما أن الشواطئ الشمالية لمصر، وخاصة في الدلتا، تتآكل بمعدلات متسارعة بسبب ارتفاع البحر وزيادة شدة العواصف. لذلك، لابد من تشكيل هيئات لإدارة الأزمات، والتدريب على إدارة الطوارئ نتيجة لغياب التفعيل للكيانات الخضراء بمعدلات زمنية تسبق أو توازي التدهور وفوضى المناخ.

ستزداد الأعاصير في المنطقة العربية، وعلينا دراسة الواقع والمتوقع. السبب في زيادة الظواهر المتطرفة هو ارتفاع حرارة سطح البحر، مما يوفر طاقة أكبر لتكوين وتقوية العواصف المدارية والأعاصير (الاستوائية وشبه الاستوائية). ومن التأثيرات الملموسة للأعاصير في البلاد، نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

ـ الأعاصير المدارية في بحر العرب، والتي تؤثر على عُمان، اليمن، الإمارات، جنوب إيران، وأحيانا باكستان.

ـ أعاصير البحر المتوسط، وهي أعاصير صغيرة لكن شديدة الخطورة، تتكون في البحر المتوسط، وتجمع بين خصائص الأعاصير المدارية والعواصف المتوسطة. وسبب ظهورها هو ارتفاع حرارة مياه المتوسط.

ـ من الأحداث البارزة والخسائر: إعصار جونو (2007) في عُمان واليمن، الذي تسبب في خسائر بـ4 مليارات دولار و50 قتيلا، ثم إعصار فيت (2010) الذي خلف فيضانات وخسائر مادية، وإعصار شاهين (2020) الذي تسبب في أمطار غزيرة وفيضانات وأضرار بالبنية التحتية.

وما حدث في الإمارات (دبي) في أبريل 2024 من أمطار تاريخية غزيرة (تجاوزت 250 ملم في أقل من 24 ساعة) تسببت في فيضانات مدمرة، نتيجة نظام منخفض جوي عميق تغذى على رطوبة عالية غير معتادة وحرارة بحر مرتفعة، أدى إلى غمر طرق، وتعطيل مطار دبي الدولي، وأضرار بالممتلكات، إلا أن البنية التحتية أثبتت قدرتها على استيعاب هذه الأمطار المفاجئة، ويحسب هذا النجاح للتخطيط والإدارة.

كما حدث في ليبيا (إعصار دانيال، سبتمبر 2023) نتيجة تطور إعصار متوسطي فوق مياه دافئة بشكل غير طبيعي شرق المتوسط، وأسفر عن أمطار غزيرة (وصلت إلى 414 ملم)، وتسببت في انهيار سدين رئيسيين: سد أبو منصور (أو ما يطلق عليه أبو مانقور)، وسد البلاد (البيضاء)، ما أدى إلى فيضان هائل اجتاح مدينة درنة ومحيطها، ودمر أحياء كاملة. وكانت الخسائر في الأرواح أكثر من 4300 قتيل وآلاف المفقودين (أرقام رسمية، بينما التقديرات الحقيقية قد تكون أعلى). أما الخسائر المادية، فتمثلت في دمار شامل للبنية التحتية (طرق، جسور، مباني)، وخسائر بمليارات الدولارات، والخسائر الإنسانية شملت تشريد عشرات الآلاف، مما خلق أزمة إسكان وأزمات صحية.

وفي مصر، من أقرب الأمثلة ما حدث في الإسكندرية مؤخرا، نتيجة تكرار سقوط أمطار غزيرة جدا في فترات قصيرة بسبب تغير أنماط الطقس وارتفاع حرارة البحر المتوسط. وقد فاقت كمية الأمطار قدرة شبكات الصرف الصحي، ما أدى إلى غرق شوارع، وتعطيل حركة المرور، وتلف الممتلكات، وانهيارات جزئية في بعض المباني القديمة أو غير الآمنة، وتسبب ذلك في مخاطر على السكان.

ومع تكرار وتيرة وشدة هذه الأحداث واستمرار تغير المناخ، وخطر حدوث فيضانات مفاجئة أكثر تدميرا، أو أعاصير متوسطية تؤثر مباشرة على الساحل، لابد من إدارة جيدة للطوارئ، وعمل خطة لتعديل المصارف لتصريف المياه، وترميم المباني الآيلة للسقوط، ووضع خطة بديلة للتسكين إذا لزم الأمر، حتى يعاد بناء نفس الأحياء تدريجيا.

وعند الحديث عن الإجراءات والاحتياطات المطلوبة، تتوزع المسؤولية على جميع الأطراف: الدولة، المؤسسات، الأفراد. فعلى مستوى الدولة، يجب وضع خطة للتكيف مع ارتفاع البحر وأثره على الدلتا بمصر، وتعزيز الحماية الساحلية (مثل حواجز الأمواج، الأرصفة البحرية، إعادة تغذية الشواطئ بالرمال، استصلاح الأراضي بطريقة ذكية)، وإنشاء أنظمة صرف فعالة لمواجهة ملوحة التربة، وتطوير أصناف محاصيل مقاومة للملوحة، والتخطيط لإعادة توطين المجتمعات المعرضة للغرق، وتحديث خرائط الخطورة.

أما الدول المطلة على الخلجان، بصفة عامة، وليس فقط دول الخليج العربي، فتحتاج إلى استثمارات ضخمة في الحماية الساحلية، وإنشاء جزر اصطناعية، وتطوير بنية تحتية مرنة، وخطط لمواجهة الأمطار الغزيرة والأعاصير.

فتطوير البنية التحتية يتطلب تحديث شبكات الصرف المطرية لاستيعاب أمطار أشد، وتعزيز تصاميم الجسور والطرق، ومعايير البناء لتتحمل الرياح الشديدة والأمطار الغزيرة. وإنشاء أنظمة إنذار مبكر فعالة ودقيقة للأعاصير والأمطار الغزيرة والفيضانات، ووضع آليات لإدارة السدود والخزانات، وتفتيشها دوريًا، وتحديثها، مع خطط طوارئ فعالة للإخلاء، وخطط لإدارة الأراضي، وإصدار قوانين تمنع البناء في أودية السيول ومناطق الفيضانات، والحفاظ على المساحات الخضراء لامتصاص المياه وغاز ثاني أكسيد الكربون.

أما خطة مواجهة ارتفاع درجات الحرارة، فتشمل تشجيع استخدام مواد بناء عاكسة للحرارة، والتوسع في تصنيعها، وتغيير معايير شروط البناء، عبر الحد من الواجهات الزجاجية، حتى لا تمتص الحرارة وبالتالي تتطلب طاقة كهربائية عالية تزيد من التكلفة والبصمة الكربونية، مع الاهتمام بالتشجير، وحسن إدارة المساحات الخضراء في المدن، بمفهوم علمي للتشجير البيئي. وعلينا تعديل نمط التشجير الحالي لأن الله سبحانه وتعالى خلق أنواعا نباتية تتخصص في امتصاص غازات محددة. وهو ما يجب أن يحول إلى قانون تصدره وزارة البيئة، تلزم فيه المصانع الملوثة بزراعة نوعيات من الأشجار تلائم نوع الغاز الملوِّث الناتج عنها. كما يجب تحقيق شهادات الكربون والعمل على تقليل البصمة الكربونية بوسائل متعددة، منها التخفيف من الانبعاثات عبر التحول إلى الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الطاقة، والنقل المستدام.

على مستوى المؤسسات والشركات، يجب تقييم مخاطر المناخ على أصولها وعملياتها، وتطوير خطط لاستمرارية العمل، وتطبيق معايير بناء مرنة للمناخ في المشاريع الجديدة، والاستثمار في تدابير التكيف لحماية المرافق.

أما على مستوى الأفراد، فيجب نشر الوعي وفهم المخاطر المحلية. ومن مسؤوليات الأفراد التدريب على التعامل مع مظاهر تغير المناخ مثل الفيضانات والحرارة والعواصف، والاستعداد بخطط إخلاء سريعة، ونشر ثقافة الاستجابة واتباع تعليمات السلطات أثناء الطوارئ، وعدم المخاطرة، وحماية الممتلكات، والتوجه نحو شركات التأمين ضد الكوارث (إن وجدت)، وتأمين المنازل ضد الأمطار والرياح والحرائق، والتعامل مع المباني القديمة (خاصة في الإسكندرية) بالتفتيش الدوري، والتعزيز الهيكلي إذا لزم الأمر، ومعرفة نقاط الضعف ومخارج الطوارئ.

ومن الضروري إدراك أن تغير المناخ قادم لا محالة بسبب التلوث المتزايد، رغم القوانين التي يُفترض أن تكون ملزمة لجميع الدول بلا استثناء. وعند وضع القوانين الدولية، يجب أن ترفق بعقوبات على الدول المخالفة بلا استثناء، لأن هناك فرقا بين السيادة الدولية، التي تتمثل في الحدود البرية والبحرية والجوية، والسيادة البيئية، التي لا تعترف بالحدود. فأي تلوث تسببه دول الشمال تتأثر به دول الجنوب. لذا، تحكم السيادة البيئية قوانين موحدة وملزمة بالتنفيذ بلا استثناء، وإلا ستزداد فوضى المناخ، ولن تنتهي الأزمات، سواء أزمات الغذاء أو عدم الاستقرار أو الخسائر المتعددة، سواء كانت مادية أو بشرية، أو كلاهما.

لن نحصد سوى فوضى وهستيريا مناخية. ونحن جميعا مسؤولون عنها، وعلينا العمل الجاد بمنهج علمي وحضاري للخروج من أزمنة الرماد إلى مستقبل أخضر ومستدام.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق