السلسلة هي عبارة عن أجزاء من كتابي “قصتي مع التراث”، لذلك سأحتفظ بمقدمة الكتاب كمقدمة للسلسلة.
– لماذا تكتب وتنشر السير الذاتية:
السيرة الذاتية فن أدبي حديث نسبياً، لم يكن معروفا في القديم، فما كان معروفا خصوصا في البلدان العربية والإسلامية هو كتب التراجم والسير والطبقات، والتي كان مؤلفوها يتناولون حياة وإنجازات الشخصيات البارزة في شتى المجالات، بينما السيرة الذاتية فيكتبها أصحابها بأنفسهم عن حياتهم وتجاربهم من وجهة نظرهم الخاصة.
وفي الغالب في كتب السيرة الذاتية ما يسرد المؤلف قصة حياته كاملة، من الطفولة إلى زمن كتابته الكتاب أو إلى لحظة معيّنة يختارها من حياته. وتتناول هذه الكتب مراحل متعددة من عمر الكاتب، وأعماله كتعليمه وعمله المهني، وعلاقاته المتنوعة… وهي رحلة تأمل ذاتي، لكنها في الغالب لا تكون دقيقة وموضوعية، إذ يصعب على الإنسان أن يسرد ماضيه دون أن يتأثر برؤيته الحالية أو برغبته في تبرير مواقفه الماضية وتحسين صورته أمام القارئ. بمعنى أن كتابة السيرة الذاتية غالبا ما تكون انتقائية، فيبرز الكاتب جوانب من حياته ويخفي أخرى.
ومع ذلك، فالسيرة الذاتية مهمة للكاتب، كما هي مهمة للقارئ، فالكاتب يسترجع ذكرياته، وتكون فرصة ليبرر أو يشرح بعض تصرفاته ومواقفه الماضية أو يعتذر عنها، ومهمة للقارئ الذي يأخذ الدروس والعبر منها، وقد تكون أيضا مسلية له إذا كان الكاتب يتقن فن الحكي.
– التردد الكبير في كتابة ونشر مذكراتي وكيف تجاوزته:
كانت دائما تراودني فكرة كتابة سيرتي الذاتية ونشرها، وعمليا كنت أدون يومياتي لعدد من التجارب التي خضتها في حياتي العملية، لكنني كنت أتراجع عن ذلك في كل مرة، والسبب في هذا التردد يرجع إلى عدة أسباب، أهمها:
– الحياء من الحديث عن النفس، والخوف من السقوط فيما نهى عنه الله سبحانه وتعالى: “فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ. هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى” (النجم، الآية 31)
– الاعتقاد بأنه لم يحن الوقت بعد، وينبغي الانتظار حتى يتم إنجاز أمور مهمة
– عدم اعتبار ما مر في حياتي مهما يمكن أن يستفيد منه الناس
– الكثير من الأحداث ترتبط بأشخاص لا زالوا على قيد الحياة، وقد لا يوافقون على ذكر أسمائهم
– لا يمكن الحديث عن أمور كثيرة، تعتبر من الأسرار، سواء الشخصية أو العائلية أو المهنية، أو أسرار بعض المؤسسات والأشخاص
– تفاصيل بعض الأحداث لا تزال طرية، وبالتالي قد يكون هناك ضرر بالحديث عنها
ولقد تغلبت على هذه الأسباب التي كانت تمنعني من كتابة سيرتي الذاتية، بالاجتهاد في الحديث بالصيغ اللائقة واللبقة تحاشيا للوقوع في المحاذير والمطبات، وما أكثرها، بمعنى فرض رقابة ذاتية. أما الحديث عن النفس فمن الممكن جدا أن يكون بعيدا عن إطراء الذات وتضخيمها، علما أنه لا مانع من الاعتزاز بالمنجزات. أما بالنسبة للسن فليس هناك سنا محددة لكتابة ونشر السيرة الذاتية، يمكن الكتابة في كل مرحلة من المراحل العمرية، ويمكن للشخص الواحد كتابة أكثر من كتاب للسيرة الذاتية، فليس هناك ما يمنع من ذلك، وبالنسبة لي سأكمل الستين من عمري في أكتوبر 2025، ولعلها سن مناسبة لكتابة السيرة الذاتية. أما قيمة تجارب الشخص فالحكم في النهاية للقارئ. ولتجاوز مشكلة الأسرار فالكاتب ليس مضطرا لإفشائها، ويمكنه استعمال أسلوب التعميم وعدم ذكر أسماء بعض الأشخاص والهيئات، أو الاكتفاء بالإشارة والتلميح عوض التسمية والتصريح. كما أن الكاتب يمكنه تجاوز بعض الأحداث التي لا تزال طرية أو عدم ذكر التفاصيل كاملة.
ومنذ ما يزيد عن ثلاثة أعوام، وبالضبط منذ أواخر عام 2021، وأنا أريد أن أكتب وأنشر سيرتي الذاتية، على اعتبار ما أصبح لدي من اقتناع تام بضرورة ذلك. ولكن ما كان يمنعني من الشروع في الكتابة هو كثرة الانشغالات، ثم بسبب ما كنت أعطيه من أسبقية حينها لتأليف بعض الكتب التي كانت مبرمجة عندي منذ سنوات، فألفت ونشرت خلال ثلاثة أعوام أربعة كتب، وهي:
– التراث المعماري لطنجة، نشرته في عام 2022 بأربع لغات: العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية
– التراث الطبيعي لطنجة، نشر في عام 2023
– المصطلحات الجغرافية في القرآن الكريم، نشر أيضا في عام 2023
– السلوقية أولا، قصة نضال لإنقاذ محمية طبيعية بطنجة، نشر في عام 2024
وبذلك، تأجلت الخطوات العملية في كتابة السيرة الذاتية إلى شهر ماي من عام 2023، فبدأت بإعداد مخطط للتحرير، وبدأت في جمع المادة التوثيقية وترتيبها، لكنني ارتأيت ألا تكون هذه السيرة عبارة عن قصة لحياتي وإنما قصة توثق علاقتي بتراث طنجة، فاخترت أن يكون عنوان المذكرات “قصة عشق لتراث طنجة”، قسمته حينها إلى ثلاثة فصول وهي:
– الفصل الأول: قصة عشق لطنجة
– الفصل الثاني: قصة عشق للتراث
– الفصل الثالث: قصة عشق لتراث طنجة
لكن، وبعد مدة من جمع المادة التوثيقية، تراجعت عن العنوان واخترت العنوان الحالي للكتاب وهو “قصتي مع التراث”. لكني توقفت عن العمل المستمر في الكتاب لشهور طويلة ربما ثمانية أو تسعة أشهر، بسبب انشغالي بمواضيع أخرى، من مثل مشاركتي في التغطية الإعلامية لزلزال الحوز، وفي التغطية الإعلامية لفيضانات مدينة درنة الليبية، ثم الاهتمام الذي كان بالتظاهرات الدولية الخاصة بالتغيرات المناخية. وبين الفينة والأخرى أعود لاستئناف العمل.
وفي بداية العام الميلادي 2025، قررت أن أعطي الأولوية للكتاب، وقررت بصفة نهائية أن أحصر الموضوع فيما له علاقة بالتراث، مع إشارات مختصرة عن حياتي الشخصية، ولم أتطرق لعدد من الأحداث الهامة في حياتي الشخصية، لعل أهمها بالنسبة لي مرض زوجتي ووفاتها رحمها الله في عام 2021 كأهم حدث محزن، وقيامي بأداء العمرة في عام 2024 كأهم حدث سعيد. ولهذا، كان اختياري لعنوان الكتاب: “قصتي مع التراث”، وللمزيد من التوضيح أضفت عنوانا فرعيا هو “مقاطع من السيرة الذاتية للمؤلف التي لها علاقة بالتراث”.
– لماذا التراث:
لأن التراث بمختلف أقسامه وأصنافه، التراث الطبيعي والتراث الثقافي، التراث المادي والتراث اللامادي، شكل جزء كبيرا من حياتي وحياة معظم المغاربة ولا يزال وسيستمر إن حافظنا عليه.
ومن خلال دراستي للتراث وتجربتي العملية في حمايته وتثمينه، توصلت إلى المعادلة أو التعريف التالي:
“التراث نعيش فيه ونعيش معه ونعيش به ونعيش منه”
التراث نعيش فيه، لأن جزء مهما من ساكنة المغرب يعيش في المدن العتيقة وفي التجمعات القروية التاريخية كالقصور والقصبات والقلاع، وحتى بيوتنا الحديثة الكثير منها بات متأثرا بالتراث ويحاكي في شكله الزخارف والعناصر المعمارية الأصيلة…
التراث نعيش معه، فالتراث الطبيعي يحيط بنا، وحياتنا العصرية لم تخل منها العادات والتقاليد التي ورثناها عن الأجيال القديمة…
التراث نعيش به، فجزء مهم من أثاث وتجهيزات بيوتنا تقليد للتراث، ولا زلنا نلبس ملابس وأحذية وإكسسوارات من تراثنا الأصيل، ونفس الشيء بالنسبة للفنون والطبخ والحلويات…
التراث نعيش منه، فالكثير من المغاربة يشتغل في الصناعة التقليدية، وفي السياحة القائمة على التراث، وفي مهن البناء التقليدية…
وبالنسبة لي، بالإضافة إلى القواسم المشتركة مع أغلب المغاربة فيما يتعلق بالعلاقة مع التراث، فلقد درست التراث في الجامعة، وأنجزت أبحاثي الأكاديمية عن التراث، واشتغلت على التراث، ودرست التراث لعدد كبير من الطلبة، وكتبت عن التراث، وحاضرت عن التراث في اللقاءات الثقافية والعلمية، وناضلت من أجل حماية التراث وتثمينه…
– المنهجية المعتمدة في كتابة مذكراتي:
انكببت على كتابة سيرتي الذاتية لمدة أربعة أشهر تقريبا، بل إنني أخذت إجازة من عملي الوظيفي خلال شهر رمضان (رمضان 1446) من أجل التفرغ لكتابة الكتاب، وكنت أقضي يوميا الساعات الطوال في الكتابة، لكن بالرغم من اعتكافي لأكثر من شهر على الكتابة لم أستطع أن أنتهي من كتابة الكتاب إلا بعد مرور ثلاثة أسابيع بعد رمضان.
ومنهجيتي دائما في الكتابة، سواء كتابة المقالات أو الأبحاث والدراسات أو الكتب، هي الاختصار والتبسيط، واستعمال كم كبير من المعطيات الإحصائية ووسائل الإيضاح من صور فتوغرافية ورسوم بيانية وترسيمات وخرائط…لكنني ربما في هذا الكتاب لم أوفق في الاختصار، فتجاوز عدد صفحات الكتاب ال240 صفحة، وفي العادة حجم كتبي يكون في حدود نصف هذا الحجم.
– تصميم الكتاب:
يتكون الكتاب بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة من قسمين، هما:
– القسم الأول: ويهم حياتي من سن المولد إلى سن الأربعين تقريبا، حيث كانت الأعوام العشرون الأولى كلها بطنجة، والعشرون الثانية قضيتها خارج طنجة، إذ عدت إليها وأنا في سن ال39. وقسمت هذا القسم إلى ثلاثة فصول، كل فصل خصصته لمرحلة من مراحل حياتي، بحسب مكان إقامتي، وذلك كالتالي:
* الفصل الأول: خصصته لمرحلة إقامتي الأولى في مدينة طنجة، وهي مرحلة الطفولة والنشأة، من الميلاد في عام 1965 إلى مغادرة المدينة في عام 1985 لمتابعة الدراسة الجامعية في مدينة فاس
* الفصل الثاني: ويغطي مرحلة إقامتي في مدينة فاس، من عام 1985 إلى عام 2001، أي لمدة 16 عاما، على أنني قضيت عاما واحدا خلال هذه المرحلة في مدينة الرباط لمتابعة الدراسة في السلك الثالث (الدراسات الجامعية العليا) في السنة الجامعية 1989-1990 ثم عدت مجددا إلى مدينة فاس
* الفصل الثالث: وهو يخص مرحلة إقامتي في مدينة مراكش، من عام 2001 إلى عام 2004، أي لمدة ثلاثة أعوام
– القسم الثاني: وهو يغطي مرحلة العودة للإقامة مجددا في مدينة طنجة، من عام 2004 إلى عام 2024، أي لمدة 20 عاما. وقسمت هذا القسم إلى ثلاثة فصول أيضا، لكن ليس بناء على مراحل عمرية في ارتباط مع مكان الإقامة، كما فعلت في القسم الأول، وإنما بحسب نوع الأنشطة التي قمت بها خلال هذه المرحلة، وذلك كالتالي:
* الفصل الأول: تطرقت فيه لعملي في إطار الوظيفة العمومية ولأنشطتي الأكاديمية والثقافية والإعلامية
* الفصل الثاني: وخصصته للحديث عن تجاربي الجمعوية، خلال ال20 عاما الأخيرة، وركزت فيه أساسا على التجارب التي كان لي فيها دور كبير
* الفصل الثالث: وتناول الحديث عن تجربتي في المجالس الجماعية لمدة ستة أعوام من 2015 إلى 2021
– المصادر والمراجع:
عموما تم الاعتماد في كتابة سيرتي الذاتية على المصادر التالية: الذاكرة الشخصية، وذاكرة بعض أفراد العائلة والأصدقاء، والمذكرات الشخصية، والوثائق والصور التي قمت بجمعها طوال حياتي، والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي …
في القسم الأول تم الاعتماد فيه بنسبة كبيرة على الذاكرة الشخصية وبعض الوثائق وتواريخ الصور الفوتوغرافية، بمعنى أن المعطيات كانت قليلة، بينما في القسم الثاني كان العكس هو كثرة المعطيات التي تطلبت مني جهدا كبيرا ووقتا طويلا حتى أغربلها وأختصرها، ذلك لأني كنت في هذه المرحلة من حياتي أدون يومياتي لمختلف أنشطتي، فلدي يوميات لعملي في الجامعة ويوميات لأسفاري ويوميات لعملي الجمعوي، لكن أهم وأكبر اليوميات كانت ليوميات عملي في جماعة طنجة كمستشار جماعي إذ فاق حجمها 600 صفحة، لدرجة أن تحرير الفصل الثالث المتعلق بالعمل الجماعتي تطلب مني 20 يوما من العمل المستمر في شهر رمضان المبارك.
– غلاف الكتاب:
اعتمدت على نفسي في إعداد غلاف الكتاب كما كان الأمر بالنسبة لأغلب كتبي، لكن هذه هي المرة الأولى التي استعنت فيها بالذكاء الاصطناعي في إخراج صورة الغلاف.
وصورة الغلاف تتكون من جزأين:
– الجزأ الأول: رأس إنسان وجزء من جسمه العلوي، تغطي الوجه صور للغابة والنباتات، وباقي الرأس والجسد مغطى بالأشكال الزخرفية الإسلامية من خط عربي ورسوم النباتات وأشكال هندسية. والرأس يشير إلى رأس الكاتب المهتم بالتراث، سواء الطبيعي أو الثقافي
– الجزأ الثاني: باقي الصورة حيث نجد في الأعلى زخارف العمارة الإسلامية، وفي اليمين بناية إسلامية تعلوها قبة، وفي اليسار صورة لبحر أو بحيرة مع رمال الشاطئ وتشرف عليه هضبة أو تل بصخور حمراء اللون وفوقها تنتشر أشجار النخيل، وفي أسفل الصورة نجد زخارف للفسيفساء. والمعنى العام هو الإشارة إلى مختلف أصناف التراث
– الصور المنشورة في الكتاب:
الصور التي نشرتها في الكتاب، فهي تتكون من: صور من أرشيفي الخاص، وصور منشورة في المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وصور منشورة في الكتب والمجلات والدراسات والبحوث…
– الإهداء:
إلى والدايَ الذين كانا سببا في وجودي المزدوج، الوجود الأول هو خروجي إلى الدنيا، والوجود الثاني هو كل ما نتج عني من أعمال صالحات، فالفضل يرجع بعد الله تعالى إلى تربيتهما وتنشئتهما لي على الأخلاق الفاضلة وعلى حب فعل الخير للبلاد والعباد،
إلى جميع أفراد أسرتي وعائلتي، الأموات منهم اللهم اغفر لهم وارحمهم، والأحياء منهم اللهم متعهم بالعفو والعافية، فيرجع الفضل إليهم جميعا كذلك في معظم ما صلح من أعمالي،
إلى أساتذتي، في الصبا والكبر، الذين غرسوا في بذور محبة العلم والعمل الصالحين،
إلى زملاء الدراسة والعمل والنضال، الذين شاركوني حب الوطن والعمل من أجل رفعته وازدهاره،
أهدي هذا الكتاب، الذي أكيد سيجدون فيه أثرهم المباشر وغير المباشر، سواء على مستوى بناء وصقل شخصيتي أو على مستوى العمل من أجل الحفاظ على تراثنا الثقافي والطبيعي.
– حلقات السلسلة:
سننشر هذه السلسلة في 25 حلقة.




















عذراً التعليقات مغلقة