يؤثر الماء في جسم الإنسان بطرق تختلف باختلاف حرارته، لذلك لم يكن غريبا أن تحتل الحمامات والعيون الطبيعية مكانة مهمة في ثقافات الشعوب منذ قرون، سواء للاستشفاء أو الاسترخاء أو التنشيط. وتؤكد دراسات حديثة أن حرارة الماء تؤثر فعلا في الدورة الدموية والعضلات والأعصاب والحالة النفسية، غير أن لكل نوع استعمالاته وفوائده ومحاذيره.
ينعش الماء البارد الجسم بسرعة ويمنح إحساسا باليقظة والنشاط، إذ تؤدي ملامسته للجلد إلى انقباض الأوعية الدموية مؤقتا ثم إعادة تنشيط الدورة الدموية. ولهذا السبب يلجأ كثير من الرياضيين إلى الحمامات الباردة أو حمامات الثلج بعد التمارين لتخفيف الالتهابات وآلام العضلات. كما تشير بعض الأبحاث الحديثة إلى أن التعرض المعتدل للماء البارد قد يساعد على تحسين المزاج وتقليل الشعور بالإجهاد عند بعض الأشخاص.
ويستعمل كثير من الروس وسكان المناطق الباردة الاستحمام بالماء شديد البرودة أو الغطس في المياه المتجمدة كجزء من تقاليد صحية قديمة، خاصة بعد حمامات البخار الساخنة او ما يعرف بالسونا. ويعتقد مؤيدو هذه الممارسة أنها تقوي المناعة وتنشط الجسم وترفع القدرة على تحمل البرد. غير أن الأطباء يحذرون من المبالغة أو التعرض المفاجئ للماء المثلج، خصوصا بالنسبة لمرضى القلب أو ضغط الدم، لأن الصدمة الحرارية قد تسبب اضطرابا في نبضات القلب أو ضيقا في التنفس.
ويمنح الماء الفاتر توازنا أكبر بين الراحة والسلامة الصحية، لذلك يعتبره كثير من المختصين الأنسب للاستعمال اليومي. فالماء الفاتر قريب من حرارة الجسم، ولا يسبب إجهادا كبيرا للدورة الدموية أو الجلد، كما يساعد على تنظيف البشرة دون أن يسبب جفافها. ولهذا ينصح به للأطفال وكبار السن وأصحاب البشرة الحساسة، كما يستعمل بكثرة في الحمامات التقليدية والوضوء والغسل اليومي.
ويبعث الماء الدافئ أو الساخن إحساسا بالاسترخاء والراحة، إذ يساعد على إرخاء العضلات والتخفيف من التشنجات وآلام المفاصل والظهر. كما يساعد بخار الماء الساخن على تخفيف احتقان الأنف وفتح المجاري التنفسية، لذلك يزداد الإقبال عليه خلال فصل الشتاء. لكن الإفراط في استعمال الماء الساخن قد يسبب جفاف الجلد والحكة، وقد يؤدي أحيانا إلى انخفاض الضغط أو الشعور بالدوخة، خاصة عند كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون من مشاكل قلبية.
ويحضر الماء البارد أيضا في القرآن الكريم في قصة نبي الله أيوب عليه السلام، حين قال تعالى: “اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب”، وهي إشارة ارتبطت في أذهان كثير من المفسرين بمعاني التطهر والراحة والشفاء بعد التعب والمرض.
وتنتشر في المغرب عيون مائية طبيعية يقصدها الناس منذ عقود للاستجمام والعلاج، وتختلف حرارة هذه العيون بحسب طبيعتها الجيولوجية. فبعضها بارد ومنعش، خصوصا في المناطق الجبلية، بينما يشتهر بعضها الآخر بمياهه الساخنة الغنية بالأملاح والمعادن. وتعد حمامات مولاي يعقوب قرب مدينة فاس من أشهر العيون الحارة بالمغرب، إذ يقصدها الزوار للاستفادة من مياهها الكبريتية الدافئة التي تستعمل في التخفيف من بعض مشاكل الجلد والمفاصل والروماتيزم. كما تعرف مناطق أخرى مثل عين الله بفاس أو بعض عيون الأطلس المتوسط بمياه باردة وطبيعية يقصدها الناس صيفا للانتعاش.
وتؤكد التجارب الحديثة والقديمة معا أن الماء ليس مجرد وسيلة للنظافة، بل عنصر يؤثر مباشرة في صحة الإنسان الجسدية والنفسية. غير أن الاعتدال يبقى الأساس، لأن أفضل حرارة للماء ليست واحدة عند الجميع، بل تختلف حسب العمر والحالة الصحية والطقس والغرض من الاستعمال. فالماء البارد قد يكون وسيلة للتنشيط وتقليل الالتهاب، بينما يناسب الماء الفاتر الاستعمال اليومي، في حين يمنح الماء الدافئ أو الساخن الراحة والاسترخاء عندما يستعمل باعتدال.




















عذراً التعليقات مغلقة