برحيل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، عن 104 أعوام، يوم أمس الجمعة، فقد الفكر المعاصر أحد أبرز المدافعين عن التفكير المركب، وأحد الأصوات التي نبهت مبكرا إلى أن الأزمة البيئية ليست مجرد خلل في الطبيعة، بل أزمة في طريقة تفكير الإنسان وتنظيمه للاقتصاد والمجتمع والسياسة. فقد ظل موران، إلى آخر سنواته، يدافع عن وعي كوكبي يربط مصير الإنسان بمصير الأرض.
في كتابه «الدخول في العصر الإيكولوجي»، يقدم موران تصورا عميقا للإيكولوجيا، لا باعتبارها خطابا عاطفيا حول حماية الطبيعة، بل كعلم مركب يدرس العلاقات بين الكائنات الحية وأوساطها. ويوضح أن الإيكولوجيا ولدت من الحاجة إلى فهم التفاعل بين الإنسان والطبيعة، وبين المجتمع والمجال الحيوي الذي يعيش داخله.
وينبه موران إلى أن الإنسان الحديث تعامل طويلا مع الطبيعة كموضوع للسيطرة والاستغلال، متأثرا بمنطق تقني واقتصادي يرى في التقدم مجرد إنتاج واستهلاك ونمو. غير أن هذا النمو، كما يوضح، أدى إلى تلويث المدن، واستنزاف الموارد، وتدهور البحار والغابات والتربة، وتراجع التنوع البيولوجي.
ويعتبر موران أن تقرير «حدود النمو» الصادر سنة 1972 عن نادي روما شكل لحظة مفصلية في بروز الوعي البيئي العالمي، لأنه نبه إلى أن الأرض محدودة، وأن النمو غير المنضبط قد يقود إلى إنهاكها. لكنه يرى أن هذا الوعي لم يتحول بعد إلى تغيير عميق في أنماط الحياة والإنتاج والاستهلاك.
ولا يكتفي موران بالدعوة إلى حماية البيئة، بل ينتقد الاختزال الذي يجعل الإيكولوجيا مجرد سياسة قطاعية أو انتقال تقني نحو طاقات أقل تلويثا. فالمطلوب، في نظره، هو تحول حضاري شامل، يربط البيئة بالديمقراطية، والعدالة، والتضامن، وجودة الحياة.
ومن أهم أفكاره أنه يرفض الثنائية البسيطة بين النمو وتراجع النمو. فهو لا يدعو إلى إيقاف كل نمو، بل إلى التمييز بين ما يجب أن ينمو، مثل الاقتصاد الاجتماعي، والزراعة الإيكولوجية، والخدمات العمومية، والاقتصاد الدائري، وبين ما يجب أن يتراجع، مثل الاقتصاد الملوث، والاستهلاك المفرط، والمنتجات القابلة للرمي، والسلع ذات التقادم المبرمج.
بهذا المعنى، كان موران يرى أن الأزمة البيئية لا تحل بعقلية مجزأة، بل بفكر مركب يفهم الترابط بين الطبيعة والإنسان والاقتصاد والسياسة. فالإنسان، كما يقول، ليس خارج الطبيعة، بل هو جزء منها، والطبيعة حاضرة داخله كما يحضر المجتمع داخل الفرد.
لذلك، لا تبدو أفكار إدغار موران اليوم مجرد تأملات فلسفية، بل تبدو أكثر راهنية في زمن تغير المناخ، وتراجع التنوع البيولوجي، وتزايد الكوارث البيئية. فقد كان يدعو إلى أن يدخل الإنسان فعلا في «العصر الإيكولوجي»، لا باعتباره شعارا، بل باعتباره وعيا جديدا بمصيره المشترك مع الأرض.






















عذراً التعليقات مغلقة