تعرف أوروبا، أواخر ماي الجاري، موجة حر مبكرة وغير معتادة، تزامنا مع موجة حر تضرب المغرب وعددا من مناطق شمال غرب إفريقيا، في مؤشر جديد على أن التطرف الحراري لم يعد حدثا معزولا أو مرتبطا بمنطقة دون أخرى. فبينما يعيش المغرب على وقع ارتفاع درجات الحرارة بفعل صعود كتل هوائية حارة وجافة من الجنوب، تواجه دول أوروبية بدورها تمدد هواء ساخن ومرتفعا جويا مستقرا حبس الحرارة فوق القارة، لتتحول نهاية الربيع إلى إنذار مبكر بصيف أكثر قسوة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الحرارة في أجزاء من أوروبا الغربية تجاوزت المعدلات الموسمية بنحو 10 إلى 15 درجة مئوية، مع تسجيل أرقام قياسية في فرنسا وبريطانيا، وبلوغ الحرارة مستويات مرتفعة في البرتغال وإسبانيا. ولا تكمن خطورة هذه الموجة في درجات الحرارة وحدها، بل في توقيتها المبكر، إذ جاءت قبل بداية الصيف بأسابيع، ما يزيد الضغط على الصحة والطاقة والمدن.
وتكشف بيانات الوكالة الأوروبية للبيئة أن موجات الحر أصبحت الخطر المناخي الأكثر فتكا في أوروبا، إذ ارتبطت بنحو 95% من الوفيات المسجلة ضمن الظواهر المناخية والطقسية القصوى بين 1980 و2023. كما قدرت وفيات الحر بعشرات الآلاف خلال سنتي 2022 و2023، خاصة في صفوف كبار السن، والنساء، والأشخاص المصابين بأمراض القلب أو الجهاز التنفسي.
ويفسر الخبراء هذه الموجات بتداخل عدة عوامل، من بينها صعود كتل هوائية حارة من الجنوب، واستقرار مرتفعات جوية قوية تمنع تبدد الحرارة، إضافة إلى الجفاف وقلة الغطاء النباتي في بعض المناطق. أما العامل الأعمق، فيبقى التغير المناخي، الذي يجعل موجات الحر أكثر تكرارا، وأشد قوة، وأطول مدة.
وفي المغرب، تظهر الظاهرة غالبا من خلال رياح “الشرقي” وصعود الهواء الصحراوي الحار، ما يؤدي إلى ارتفاع سريع في درجات الحرارة، خاصة في المناطق الداخلية والسهول. وفي أوروبا، تحدث آلية قريبة عندما تمتد كتل ساخنة من شمال غرب إفريقيا أو المناطق شبه المدارية نحو الشمال، لتجد أمامها وضعا جويا مستقرا يحبس الحرارة فوق المدن.
وتطرح هذه التطورات تحديات صحية واجتماعية واضحة، لأن موجات الحر لا تؤثر على الجميع بالدرجة نفسها. فالعمال في الفضاءات المفتوحة، وسكان الأحياء قليلة التشجير، وكبار السن، والأطفال، والمرضى، هم الأكثر عرضة للخطر. لذلك لم تعد مواجهة الحر مسألة أرصاد جوية فقط، بل أصبحت قضية صحة عمومية وعدالة مجالية وتخطيط حضري.
كما تكشف موجات الحر عن هشاشة المدن أمام التحولات المناخية. فالأسفلت، وقلة الظل، وضعف المساحات الخضراء، وارتفاع استهلاك الطاقة للتبريد، كلها عوامل تجعل المدن أكثر سخونة من محيطها. لذلك تحتاج المدن، سواء في المغرب أو أوروبا، إلى خطط واضحة للتكيف، تشمل الإنذار المبكر، وتوسيع التشجير، وتهيئة فضاءات ظل، وحماية الفئات الهشة، وتحسين نجاعة المباني والطاقة.
إن ما يحدث اليوم في أوروبا والمغرب ليس مجرد موجة عابرة، بل رسالة مناخية واضحة: الحر الشديد أصبح أحد أبرز وجوه الأزمة المناخية. وكلما تأخر التخطيط للتكيف معه، ارتفعت كلفته الصحية والاجتماعية والاقتصادية.






















عذراً التعليقات مغلقة