سلسلة “قصتي مع التراث”..بقلم الدكتور أحمد الطلحي (15)

ECO1719 أغسطس 2025
سلسلة "قصتي مع التراث"..بقلم الدكتور أحمد الطلحي (14)
د. أحمد الطلحي- خبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

الحلقة 15: الاهتمام بأرشيف مدينة طنجة

أكثر اهتمامي كان ولا يزال بالتراث المعماري، بسبب التخصص الأكاديمي وبسبب كون هذا التراث هو الذي يتعرض أكثر للتدهور، لكن مع ذلك كانت لي اهتمامات بأنواع أخرى من التراث الثقافي أساسا العناية بأرشيف المدينة، سواء كان عبارة عن وثائق أو مطبوعات مختلفة أو صور قديمة للمدينة أو لوحات فنية…

فمدينة طنجة تتوفر على أرشيف ضخم، لكنه غير مجمع في بناية واحدة، بل الجزء الأكبر منه يوجد خارج المغرب ويمكن استرجاعه أو على الأقل تصويره. ونظرا لأهميته بالنسبة للمدينة قمت بعدة محاولات للمحافظة على ما هو موجود في أفق إنجاز مشروع مؤسسة أرشيف طنجة الذي حاولت ولا أزال العمل على إخراجه لحيز الوجود، وإذا توفر المقر وميزانية التجهيز والتدبير يمكن أن يتحقق بسهولة، فهناك عدد من المؤسسات والشخصيات في المدينة تتوفر على أرشيف للمدينة، وهناك شخصيات وعدت بنقل أو تصوير الأرشيف المتعلق بالمدينة الموجود في عدد من الدول الأوروبية.

وكانت لي خلال الأعوام الماضية ثلاث تجارب، وهي:

– أرشيف الكاتدرائية الإسبانية:

في صباح يوم 28 ماي 2015 استوقفني أحد الأشخاص قرب بيتي وهو على سيارته، وسألني إن كنت أتحدث الإسبانية فأجبته بأنني أتحدثها قليلا، فسألني عن ميكانيكي قرب مسجد الأندلس. فأجبته بالفرنسية بأنني سأذهب معه للبحث عن هذا الميكانيكي، واستمر حوارنا بالفرنسية.

في الطريق بدأنا بالتعارف، فعرفت بأن اسمه سلفادور، يقطن في المستشفى الإسباني (الذي تحول إلى دار للعجزة، فقط للإسبان الذين عاشوا في طنجة)، وأنه تطوع للعمل مع الكنيسة بعد وفاة زوجته وزواج كل أبنائه، وأنه يتحدث بعدد من اللغات، وأنه يقوم بتنظيف وترتيب بعض الأمكنة في المستشفى وفي الكاتدرائية الإسبانية، وأنه مهتم بالفن خصوصا الموسيقى الأندلسية بالمغرب، ويحب الثقافة، وهو سيسافر إلى جنوب المغرب، لست أدري هل في إطار عمل إنساني أم تبشيري.

ولما عرف بكوني متخصص في العمارة الإسلامية وأنني معجب بالحضارة الأندلسية، وبالتراث الثقافي عموما، أخبرني بوجود مكتبة غنية في الكنيسة تتوفر على كتب بالعربية وعلى وثائق مهمة مثل بعض رسائل الجنرال فرانكو. فطلبت منه أن أزورها وأن نلتقي مجددا، فاتفقنا أن نلتقي في صباح الغد في الكنيسة.

في المساء قمت بإجراء بحث عن الكنيسة في النت، وجمعت بعض المعلومات عنها، حتى أزورها وأنا على معرفة بها. فالكنيسة التي صممها المهندس مارتينز فيدوشي بدأت أشغال بنائها في عام 1950 ولم تنته إلا في عام 1961.

في الغد، زرت معه مكتبة الكنيسة وهي توجد بملحقة الكنيسة التي كانت في الماضي مقر أول مدرسة للطب في المغرب، والمكتبة هي مكتبة عمومية، كما توجد في البناية أقسام لتدريس اللغات الأجنبية وبعض المهن التقليدية. بعد ذلك زرنا بعض أروقة الكنيسة، وأخذت بعض الصور لها. ثم جلسنا في مكتبه الذي توجد به مكتبته الموسيقية (كتب ونوتات موسيقية)، في البداية مكنني من نسخ لائحة الكتب الموجودة في مكتبة الكنيسة على حامل المستندات (يو أس بي)، وبدأ يعرفني بمحتويات مكتبته الموسيقية، وقال لي بأنه مستعد لإعطاء دروس في الموسيقى للأطفال. ولما طال الحديث، وبعدما وثق بي، أخبرني بوجود أرشيف في الكنيسة يتوفر على وثائق كثيرة ومهمة، وأخبرني بأن القس سيميون ستشيرا الذي يعمل في الكنيسة، وهو بولوني الأصل عمل على هذه الوثائق خصوصا الظهائر السلطانية ونال بدراستها درجة الدكتوراه. وفي المكتبة اطلعت على كتاب مترجم إلى العربية عبارة عن ملخص للأطروحة.

وأخبرني بان سيميون يوجد الآن في إسرائيل، فقلت له تقصد فلسطين، فأجابني بنعم، كما أخبرني بأنه سيعود إلى طنجة بعد أسبوع وسيرتب لي موعدا للقائه وسيطلب منه نسخة من كتابه.

في يوم 17 يونيو 2015 التقيت بالقس سيميون في الكنيسة، وتحدثنا معا زهاء 45 دقيقة، حيث تحدث لي عن رسالته وعن الصعوبات التي لقيها خصوصا ترجمة الظهائر السلطانية إلى الإسبانية التي كانت مكتوبة بخط عربي قديم لا يعرفه أغلب المترجمين، كما أن هذه الظهائر كان بها كلمات بالعامية، وأخبرني بأن المشرف وهو رئيس قسم اللغة العربية بجامعة غرناطة التي ناقش بها رسالته للدكتوراه، كان يرفض تلك الترجمة لركاكتها، وفي الأخير تمكن من الترجمة المقبولة بعد مقابلتها بترجمة قديمة للكنيسة، ولقد قام بتقديم هذه الظهائر إلى مؤسسة أرشيف المغرب التي وقع معها اتفاقية. وقال لي بأن مدير المؤسسة أخبره بأن المغاربة لا يهتمون بالأرشيف وتم ضياع كميات كبيرة من الوثائق للأسف، وأخبرني أنه بنفسه اطلع على مذكرات أحد القساوسة القدماء الذي ذكر فيها بأن السلطان المولى سليمان لما تلقى منه رسالة من البابا أمر على الفور بحرقها، مؤكدا أن عدم الاعتناء بأرشفة الوثائق قديم.

بالنسبة لأرشيف الكنيسة، أخبرني القس سيميون بأنه يتكون من 520 صندوقا، كل صندوق يتكون ما بين 200 إلى ألف وثيقة، بمعنى كم هائل من الوثائق يتجاوز بالتأكيد ال100 ألف وثيقة. ولما عرضت عليه أن نعمل معا على نشر دراسة تعرف بهذا الأرشيف، أخبرني بأن المشكلة الأولى تكمن في المسؤول عن الكنيسة الذي تجاوز التسعين من عمره، والذي عمل بها لمدة تزيد عن 60 عاما، وأنه لا يترك أحدا للاقتراب من الأرشيف ويقوم بنفسه بتصوير هذه الوثائق بمعدل يصل إلى 100 وثيقة في اليوم فقط، ولقد بقي له عام واحد فقط لتنتهي مهمته على رأس الكنيسة بطنجة. المشكلة الثانية هو أنه لا يمكن فتح الأرشيف للباحثين إلا بعد ترميم بعض الوثائق وتجميع المتناثر منها ثم تصويرها، وهذا عمل يحتاج لمهنية عالية، وأخبرني بأن هناك شركة بإشبيلية يمكن أن تقوم بهذا العمل، وهي الشركة التي قامت بنفس العمل بالنسبة لأرشيف كنيسة سبتة، إلا أن هذا الأمر يحتاج لإمكانيات مالية كبيرة. ولما ألححت عليه في الاقتراح، أخبرني بأنه يوجد في الأرشيف مجلة شهرية كانت تصدرها الكنيسة لمدة أربعين عاما باللغة الإسبانية، من 1920 إلى 1964، هي مجلة موريتانيانا، بحيث هناك ما لا يقل عن 400 عددا، وهي مجلة كانت تتابع أهم الأحداث التي كانت تقع في المغرب، فمثلا زلزال أكادير خصصت له المجلة ثلاثة أعداد، وأنه قام بتجميع وترتيب كل الأعداد في مجلدات، ولقد تطلب منه وقتا طويلا لذلك، كل هذا ليبين لي صعوبة العمل وليرفض مقترحي بطريقة لائقة.

وأخبرني بأن له مهاما أخرى في الكنيسة تشغله عن الاهتمام بالأرشيف، ورسالة الدكتوراه استطاع أن يعدها لما كان يعيش في العرائش بحيث لم تكن له أعمال كثيرة، أما الآن فهو بالإضافة إلى زيارته للسجون في الجهة، يقوم بتتبع ملفات الأملاك العقارية للكنيسة في كل الجهة، بتسجيلها وتحفيظها.

حدثني عن كتابه وأهداني نسخة منه، وطلب مني أن أمده بلائحة للمكتبات العمومية التي يمكن أن يهديها نسخا من هذا الكتاب، صدقة بمناسبة شهر رمضان كما قال، وبالفعل أرسلت له في المساء لائحة بالمؤسسات الجامعية.

في يوم 19 يونيو 2015 تواصلت من جديد مع القس سيميون، وطلبت منه أن أطلع على الأرشيف فقال بأنه غير ممكن، وأنه هو نفسه لم يطلع إلا على خمسة صناديق من أصل 520 صندوقا، وأنه وكما سبق له أن وضح لي بأنه لا بد من تصويره قبل فتحه للعموم، ومع ذلك وعدني بأن نعمل معا على تصنيفه ودراسته، وتساءل معي إن كان بالإمكان طلب مساعدة مؤسسة أرشيف المغرب، فقلت له بأن هذا مشروع مهم ولا بد أن يجد تمويلا عبر المؤسسات الوطنية أو الأجنبية في إطار الشراكة. ثم سألته عن طبيعة ومحتويات الوثائق التي هي باللغة العربية، فأخبرني بأنها عبارة عن رسائل كانت تتم بين السلاطين ورؤساء الكنيسة، مما يدل على أنها وثائق جد هامة وتستحق الدراسة.

وفي يوم 23 يوليوز 2015 هاتفني القس سيميون وأخبرني بأن مؤسسة أرشيف المغرب وعدته بأن تقوم برقمنة الأرشيف بعد نقله إلى الرباط، وقال لي بأن هناك مشكلة في نقل هذا الأرشيف بدون أن يتضرر، فأخبرته بأن هناك شركات متخصصة في نقل الأمتعة يمكنها المحافظة عليه عند نقله، واقترحت عليه بأن يطلب من المؤسسة بأن تتولى بنفسها نقله. كما طلبت منه أن يشترط على المؤسسة عدم فتح الأرشيف أمام الباحثين إلا بعد إذنه، حتى نضمن أن نقوم نحن معا بالدراسات الأولية، فوافقني على هذا الاقتراح.

في 4 دجنبر 2015 أرسلت رسالة إلى السيد سيميون عبر البريد الإلكتروني أهنئه فيها على تكريمه من قبل مؤسسة أرشيف المغرب، وجددت عرضي له للعمل معا من أجل التعريف بأرشيف الكاتدرائية، وسألته عن صديقنا سلفادور الذي لم يعد يجيب على رسائلي. وفي رده على رسالتي أخبرني بأنه في بولونيا لإجراء عملية لتوسيع الأوردة، وأن سلفادور قد توفي في حادثة سير منذ ثلاثة أشهر باسبانيا. حزنت لموت سلفادور، وأرسلت رسالة تعزية لسيميون وسائلا له الشفاء أيضا.

ثم انقطع تواصلنا بعد آخر مكالمة هاتفية بيننا في يوم 4 شتنبر 2017 والتي أخبرني فيها أنه لا يزال مستمرا في تعامله مع مؤسسة أرشيف المغرب. حاولت التواصل معه بشتى الطرق لكن يبدو بأنه قد يكون قد توفي هو أيضا أو أنه غير رقم هاتفه وعنوان بريده الإلكتروني، وللأسف لم أسأل عنه في الكاتدرائية، لكثرة الانشغالات من جهة، ولأنني ربما أصبحت مطمئنا على مصير الأرشيف.

في شهر دجنبر 2024 تواصلت مع مؤسسة أرشيف المغرب، سألتهم عن أرشيف الكنيسة فأخبروني بأنهم اشتغلوا عليه، لكن لا أدري هل اشتغلوا على كل الوثائق وهي بمئات الآلاف أم على جزء منه.

– أرشيف التعمير بمقاطعة المدينة:

يوجد بمقاطعة طنجة المدينة أرشيف مهم، مكون من سجلات وملفات رخص التعمير التي سلمت خلال المرحلة الدولية. وأقدم هذه الوثائق ترجع لسنة 1928.

وللحفاظ عليه قامت مقاطعة المدينة برئاسة المهندس محمد أفقثير (ربما في عام 2016) بمبادرة مهمة جدا تتمثل في إنقاذ أرشيف التعمير الذي كان تعرض للكثير من الأضرار بسبب الإهمال، ونقلته إلى مكان في “أرض سوباسطا” الواقعة في شارع المنصور الذهبي.

في عام 2021 زرت المقر الجديد للأرشيف واطلعت على سجلاته وعلى بعض الملفات، اكتشفت أن معظم البنايات الكبيرة المعروفة في طنجة والتي بنيت في المرحلة الدولية، توجد ملفاتها في الأرشيف، وهذه الملفات تتكون من التصاميم الهندسية ومن مختلف الوثائق التي كان يتكون منها ملف رخصة التعمير. ولاحظت أنه للأسف عدد مهم من هذه الملفات في حالة سيئة.

لما قامت الجماعة ببيع “أرض سوباسطا”، تم هدم البنايات التي كانت عليها لبناء بناية جديدة من قبل المالك الجديد، فتم إرجاع الأرشيف إلى مقر المقاطعة.

بعد ذلك بشهور علمت أن الأرشيف قد يتعرض جزء منه للضياع بسبب تسرب مياه الأمطار في الحجرة التي يوجد فيها، فقمت بالتواصل مع مسؤولي المقاطعة وعرضت عليهم مشروعا من أجل حماية دائمة لهذا التراث المهم الذي يشكل جزء من ذاكرة المدينة.

المشروع يتمثل في إحداث متحف للعمارة بمدينة طنجة، يقوم بمعالجة هذه الوثائق وحفظها بشكل جيد وعرض جزء منها على العموم. وهناك إمكانية لاستقبال المتحف عددا كبيرا من الوثائق المرتبطة بالتعمير التي يحتفظ بها الخواص والمؤسسات العمومية، داخل المغرب وخارجه. وبذلك يكون هذا المشروع أول لبنة من لبنات المشروع الكبير الذي أحلم به وهو مؤسسة أرشيف طنجة.

بعد موافقة مسؤولي المقاطعة، بادرت لعرض المشروع على عدد من الهيئات العمومية، لكن للأسف لحد الآن لم أحصل على موافقتها لتمويل المشروع، بالرغم من إعجابها به واقتناعها بأهميته.

– جمع الصور القديمة لمدينة طنجة:

تعد الصور القديمة من الوثائق المهمة التي يعتمد عليها في البحث التاريخي، فهي كذلك تعد جزء من الأرشيف.

لا أذكر بالضبط متى بدأت أقوم بجمع الصور القديمة لطنجة، لكن على الأقل منذ أكثر من سبعة أعوام، والحصيلة مهمة والحمد لله جمعت أكثر من عشرة آلاف صورة.

قمت بجمع هذه الصور من مصادر مختلفة، من الكتب والوثائق ومما ينشر في المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي.

لم أكتف بالجمع فقط، بل قمت بتصنيفها حسب المواضيع، أكثر من خمسين موضوعا، مثل: الأسوار والأبراج والأبواب، المدارس، المساجد، الكنائس، الأحداث التاريخية، المؤسسات الثقافية، الأودية والقناطر، اللوحات التشكيلية، الشخصيات، البريد، الميناء، المقابر، المنارات، الحدائق والسقايات…

 

 

 

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق