الحلقة 6: أنشطتي المتعلقة بمجال التراث في فاس
مباشرة بعد المناقشة، اتصلت سفارة السعودية في الرباط بالكلية، حيث طلبت نسخة من الرسالة بدون أن تعطي السبب. ولمعرفة السبب سافرت إلى الرباط وقابلت الملحق الثقافي الذي وضح لي بأنهم يرسلون الأخبار الثقافية إلى الجامعات السعودية ومن بين الأخبار كان خبر مناقشة رسالتي نشر في إحدى الصحف اليومية، واهتمت إدارة جامعة أم القرى بمكة بموضوع الرسالة وطلبت نسخة منها. ولا أذكر هل الكلية التي أرسلت النسخة إلى السفارة أم أنا الذي أعطيتها بنفسي للملحق الثقافي.
كما أن قيدوم الكلية (أو العميد كما يسمى الآن) أستاذي محمد مزين رحمه الله(7) طلب مني أن أقدم دروسا في مادة “تهيئة وإنقاذ المدن العتيقة” لفائدة طلبة الإجازة المطبقة (الإجازة المهنية حاليا) ولفائدة طلبة الدراسات العليا المعمقة (الماستر حاليا) في وحدة التكوين “المدينة المغربية: التاريخ والإنقاذ” التي كان المرحوم يشرف عليها. والحمد لله نجحت في هذه المهمة، حيث تخرج هذا الفوج من طلبتي وكان تأثيري عليهم كبيرا في مجال الاهتمام بالتراث، واستمرت علاقتي ببعضهم إلى الآن، منهم من أصبح أستاذا جامعيا ومنهم من التحق للتدريس في الطور الثانوي التأهيلي ومنهم من توظف في الوكالات الحضرية وفي مؤسسات عمومية أخرى. ولم يقتصر عملي على تقديم الدروس والإشراف على بحوث الطلبة، بل كنت دائم الحضور والمشاركة في الأنشطة الجامعية.
لم يكن تدريسي بالجامعة أول تجربة لي في التدريس في موضوع التراث، بل عملت أستاذا زائرا في معهد التكوين في الحرف التقليدية للبناء بفاس، ودرست لثلاث سنوات دراسية من عام 1993 إلى عام 1996 مادة “التدبير العمراني الأصيل” لفائدة طلبة شعبة “الترميم ورد الاعتبار”.
في بداية التسعينات، وبالضبط بين عامي 1991 و1993 شاركت في عدد من البحوث الميدانية على مدينة فاس العتيقة، لفائدة وكالة التخفيض من الكثافة ورد الاعتبار لمدينة فاس العتيقة، حيث ازدادت معرفتي بالتراث المعماري الإسلامي معرفة ميدانية، دخلت عددا من البنايات السكنية بجميع أصنافها وأغلب المرافق العمومية من مساجد وأسواق وأفرنة عمومية…
كما عملت مستشارا مع عدد من مكاتب الدراسات، وشاءت الأقدار أن أعمل جنبا إلى جنب مع عدد من أساتذتي في الجامعة. ومن أهم الدراسات التي شاركت فيها:
– الدراسة المعمارية وتصميم التهيئة ورد الاعتبار (تصميم الإنقاذ) لمدينة فاس العتيقة، في عام 1992
– الدراسة المعمارية وتصميم التهيئة ورد الاعتبار (تصميم الإنقاذ) للمدن العتيقة لصفرو والبهاليل والمنزل، ما بين عامي 1997 و1999
– دراسة حول وضعية الصناعة التقليدية في فاس ووزان في عام 2000
– الدراسة المعمارية وتصميم التهيئة ورد الاعتبار (تصميم الإنقاذ) لمدينة مكناس العتيقة، في عام 2000.
هذا ولا أنسى مشاركتي في الورشة الجهوية حول التراث التي انعقدت في مدينة فاس في إطار الحوار الوطني حول إعداد التراب الذي نظمته وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والبيئة والإسكان، والتي كان لها مخرجات مهمة تم تضمينها ضمن توجهات التصميم الوطني لإعداد التراب وضمن عناصر الميثاق الوطني لإعداد التراب. وأذكر أنه خلال مداخلتي أكدت على التريث وعدم التسرع في الأعمال المتعلقة بالتراث وأنه ينبغي القيام بدراسات قبلية علمية وتقنية معمقة، لأن أي خطأ يمكن أن يتسبب في ضياع هذا التراث الذي يستحيل إعادة إنتاجه، واستشهدت بالمثل الشعبي الذي يقول “100 تخميمة وتخميمة ولا الضربة بالمقص” (فكر 100 مرة قبل أن تقص بالمقص)، فردت علي أستاذة جامعية مشهورة لا أريد ذكر اسمها قائلة بأننا “نخمم” (نفكر) كثيرا ولا نفعل شيئا.
وفي هذه الفترة، شاركت لأول مرة في ندوة علمية دولية، كانت في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة المولى إسماعيل بمكناس في مارس 2000، نظمها معهد الدراسات المصطلحية ومقره في كلية الآداب والعلوم الإنسانية-ظهر المهراز في مدينة فاس، وكان عنوان ورقتي التي تم نشرها ضمن أعمال الندوة الدولية حول قضايا المصطلح في الآداب والعلوم الإنسانية: “المصطلح الجغرافي: أي مصطلح لأية جغرافيا”.
بالإضافة إلى عملي في التدريس وفي الاستشارة مع مكاتب الدراسات، اشتغلت لفترة طويلة في الصحافة، حيث عملت رئيس تحرير لجريدة نصف شهرية كانت تصدر من مدينة فاس، وذلك من عام 1994 إلى عام 2001. ولقد استفدت كثيرا من عملي في الصحافة وتمكنت من عدد من المهارات من مثل: القراءة السريعة، والتواصل الواسع، والكتابة السريعة للمقالات، وفن التوضيب والإخراج، والتقنيات المستعملة في الطباعة… وكنت أوقع مقالاتي باسم أحمد الفيلالي ولعا وشغفا باسم العائلة القديم، ولقد حكيت قصة تغيير اسم العائلة في الفصل السابق.
وبالموازاة مع ذلك كله، كان لي نشاط ثقافي مهم، في مدينة فاس وفي مدن أخرى، تمثل في إلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات الثقافية التي كانت تنظمها الجمعيات.
قد يستنتج القارئ بأن اشتغالي في مهن متعددة، كان يدر علي موارد مالية مهمة، لكن في الواقع كنت بالكاد أوفر ما يلبي احتياجاتي واحتياجات أسرتي الصغيرة من كراء وتنقل ومعيشة وتطبيب… لكني، في المقابل استفدت منها كثيرا، في تكويني الشخصي وفي بناء علاقات واسعة مع شخصيات مرموقة، من علماء ومفكرين وإعلاميين ومسؤولين إداريين ونشطاء في المجتمع المدني…



























عذراً التعليقات مغلقة