الحلقة 23: أنشطتي المتعلقة بحماية وتثمين التراث الطبيعي لمدينة طنجة
بحكم خلفيتي المتمثلة في إيماني بمبادئ المحافظة على البيئة والتنمية المستدامة وحماية وتثمين التراث الطبيعي، وبحكم أنني وافد من العمل الجمعوي الذي يناضل في هذا المجال، كان من الطبيعي إعطاء الأولوية للتراث الطبيعي. كما أن المدينة غنية بتراثها الطبيعي الأزرق والأخضر والبني، من شواطئ رملية وصخرية ومن مناطق رطبة وأودية وعيون ومن غابات حضرية ومغارات…
والحمد لله، حصيلة الجماعة في هذه الولاية الانتدابية كانت مهمة جدا، لكنني سأسرد بعض القضايا والملفات والمشاريع التي كنت مبادرا إليها أو التي كنت مشاركا فيها، منها التي أنجزت بالكامل ومنها التي أنجز شطر منها ومنها التي لم نوفق في إنجازها:
– محاولة حماية ما تبقى من غابة الفرنساوي:
من القضايا الأولى التي واجهناها في بداية الولاية وبالضبط في شهر ماي 2016 قضية غابة الفرنساوي، يتعلق الأمر بما تبقى من هذه الغابة الواقعة في منطقة دار مويكنا بعدما تم بناء عدد من المرافق العمومية في أجزاء واسعة منها. بحيث بادرت مقاطعة بني مكادة بأشغال تحويل الغابة الى حديقة عمومية في منطقة سكنية تنعدم فيها المناطق الخضراء، لكن فوجئ الجميع بتسييج جزء منها وضمه لمستشفى محمد السادس. وهذا الإجراء هو أولا خرق لتصميم التهيئة حيث ينص هذا الاخير على تخصيص منطقة الغابة كمنطقة الرياضة والترفيه، وثانيا أرض الغابة لم تكن في حيازة وزارة الصحة.
ومن أجل إرجاع هذا الجزء من الغابة، قمت بمعية العمدة بالعديد من المحاولات مع عدد من المسؤولين، كلها للأسف باءت بالفشل.
– محاولة حماية غابة الدونابو:
يتعلق الأمر بمشروع استثماري أقيم على جزء من غابة الدونابو، إحدى غابات الجبل الكبير، فأثرت الموضوع في دورة المجلس الجماعي في جلسة 2 فبراير 2017 من خلال نقطة نظام.
في مداخلتي تعرضت لما تعرفه الغابة من أشغال تتمثل في قطع الأشجار ونقلها عبر الشاحنات إلى جهات غير معلومة وعمليات الحفر والتهيئة، بدون أن توجد أية لوحة للمعلومات، كما شرحت أن الغابة توجد في محمية طبيعية يمنع فيها البناء وتغيير طبيعتها الأصلية كما ينص على ذلك تصميم التهيئة، وتساءلت إن كان المشروع عبارة عن تهيئة وبناء فلا بد من أن يتقدم صاحب المشروع بطلب الترخيص من اللجنة المكلفة بذلك، وإن كان يتعلق بالاستغلال الغابوي فحسب القانون ينبغي طلب إبداء الرأي من الجماعة.
لكن، للأسف تم الاستمرار في الأشغال، بالرغم من كل المحاولات التي استهدفت إيقافها.
– العمل المتواصل للحفاظ على الغابات الحضرية للمدينة:
عملنا طيلة الولاية الانتدابية على مواجهة كل المحاولات التي كانت تستهدف القضاء أو الإضرار بالغابات الحضرية للمدينة، وذلك بالتعاون مع المجتمع المدني وباقي الفعاليات المحلية.
وكانت المقاربة التي حاولت إقناع مختلف الأطراف بها هي: تحويل الغابات الحضرية وشبه الحضرية الطبيعية إلى محميات طبيعية وفق قانون 22.07 وتحويل الغابات المشجرة إلى منتزهات حضرية مثل منتزه بيرديكاريس بالرغم من بعض العيوب.
ولقد شاركت في جميع الاجتماعات التي دعا لها العمدة لمعالجة الاعتداءات التي تعرضت لها غابات المدينة، وفي الاجتماعات التي كانت تتدارس معضلة الحرائق خصوصا الحريق الكبير الذي وقع في يوليوز 2017 بمنطقة رأس سبارطيل. طبعا الجماعة كان لها إسهام في القيام بعدة إجراءات لحماية غابات المدينة، كما كانت مشاركتها مهمة في إخماد الحريق المذكور بإمكانياتها البشرية واللوجستية البسيطة.
– المساهمة الفعالة في تحويل غابة الرهراه إلى منتزه حضري:
وفقت والحمد لله وبدعم كبير من العمدة وبعض نوابه وبمساعدة أطر الجماعة في إخراج اتفاقية منتزه الرهراه إلى حيز الوجود، وقد واجهت في ذلك عدة عراقيل، ودامت المفاوضات لمدة شهور مع المديرية الإقليمية للمياه والغابات، من فبراير 2017 إلى غاية المصادقة عليها من قبل المجلس الجماعي في دورة أكتوبر وبالضبط في يوم 5 أكتوبر 2017.
وبعد المصادقة انتظرنا شهورا أخرى من أجل التأشير عليها من قبل المراقبة الإدارية.
موضوع الاتفاقية هو تحويل غابة الرهراه إلى منتزه حضري مثل منتزه برديكاريس (69 هكتارا)، وهي عوضت الاتفاقية السابقة المبرمة بين الجماعة والمديرية الإقليمية للمياه والغابات التي كانت في الولاية السابقة (2009-2015) والتي لم تتم الإشارة فيها إلى المنتزه الحضري ولم يتم فيها تحديد بعض الالتزامات المطلوبة من كل طرف.
كانت الاتفاقية القديمة تتحدث عن مساحة إجمالية تقدر ب220 هكتارا، وحين بدأنا المفاوضات كانت 200 هكتارا ثم نزلت إلى 160 هكتارا ثم أصبحت في الأخير 150 هكتارا فقط، وذلك لأنه اقتطع أجزاء من الغابة بمجموع 70 هكتارا لإقامة مشاريع عمومية فوقها من حدائق عمومية وملاعب القرب وعدد من المرافق العمومية بالإضافة إلى مشروعين لم ينجزا وهما نادي الفروسية والمقبرة النموذجية.
وكان إصرارنا على تنفيذ هذه الاتفاقية بدافع الحفاظ على هذه الغابة الحضرية التي فقدت أجزاء كبيرة منها بسبب غزو البناء العشوائي لها، وبسبب أنها كانت الحل السهل لتوطين عدد من المرافق العمومية أمام شح الأراضي العمومية في المدينة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية تخفيف الضغط على منتزه برديكاريس، ومن جهة ثالثة كنا نسعى بذلك للرفع من معدل المناطق الخضراء لكل فرد الذي كان ضعيفا جدا، بحيث لم يكن يتجاوز في بداية ولايتنا ثلاثة أمتار مربعة للفرد الواحد، والمعدل العالمي المتعارف عليه هو 10 على الأقل، وبفضل هذا المنتزه وبفضل عدد من الحدائق العمومية الجديدة التي تمت تهيئتها والتي تقدر مساحتها الإجمالية بحوالي 100 هكتار وصل المعدل الفردي من المناطق الخضراء في نهاية ولايتنا إلى خمسة أمتار مربعة، وذاك بالضبط ما كنا استهدفناه في برنامج عمل الجماعة.
لكن، بالرغم مما تم من أشغال، كالسور المحيط بالمنتزه وبوابات المنتزه والمسالك والتجهيزات الرياضية وألعاب الأطفال، إلا أن أغلب سكان المدينة لا يرتادونه، بسبب قلة المواصلات المتجهة إليه وضعف التشوير المتمثل في اللوحات التوجيهية التي تشير إليه من مختلف مناطق المدينة.
– المحافظة على التراث الطبيعي من خلال تصميم التهيئة:
حاولنا قدر المستطاع أن نحافظ على التراث الطبيعي للمدينة من خلال مشروع تصميم التهيئة، بنسخه الثلاث التي أحيلت على الجماعة، نسخة 2016 ونسخة 2017 ونسخة 2019، سواء في مرحلة البحث العلني أو في مرحلة اللجنة المركزية.
ففي مرحلة البحث العلني قامت الجماعة بتسجيل ملاحظاتها على المقترحات والتوجهات التي كانت ستسبب أضرارا للتراث الطبيعي، وتم تضمين هذه الملاحظات في تقرير لجنة التعمير وإعداد التراب والمحافظة على البيئة الذي عرض على مجلس الجماعة وحظي في كل مرة بالمصادقة عليه. وفي مرحلة اللجنة المركزية كان ممثلو الجماعة يدافعون على هذه الملاحظات والتي تمت الموافقة على أغلبها من قبل اللجنة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، هذه نماذج من الملاحظات التي تمت الاستجابة لها:
– الحفاظ على غابة رأس سبارطل كمحمية طبيعية وتوسيع مجالها بإضافة الجزء المعروف ب”البنانة” استجابة لطلب الجماعة
– الحفاظ على غابة الراهراه
– الحفاظ على غابة مديونة
– العمل على تعميم سقي المناطق الخضراء بالمياه العادمة المعالجة:
منذ نهاية عام 2016 وإلى الشهور الأخيرة من الولاية الانتدابية، عملنا على تعميم سقي المناطق الخضراء بالمياه العادمة المعالجة.
فمع اتساع مساحة المناطق الخضراء، زاد الطلب على المياه لسقيها، فكان ذلك يشكل هدرا للمياه من جهة لأنه كانت تستعمل مياه الشرب في السقي، ومن جهة ثانية أصبحت فاتورة المياه المخصصة لسقي المناطق الخضراء مكلفة جدا للجماعة بحيث تجاوزت 21 مليون درهما في عام 2020.
لذلك، قامت الجماعة بالشراكة مع هيئات عمومية أخرى بتمويل الشطر الأول لشبكة توزيع المياه العادمة المعالجة في محطة بوخالف والذي وصلت كلفة إنجازه 55 مليون درهما، وكانت مساهمة الجماعة 10 ملايين درهما.
لكن، هذا الشطر هم فقط سقي ملعب الكولف بطنجة وملعب الكولف بهوارة وبعض المناطق الخضراء في جماعة جزناية وفي جماعة طنجة، حيث قدرت مساحة المناطق الخضراء بمدينة طنجة التي تم سقيها بهذه المياه ب37 هكتارا أي حوالي 13 بالمائة من مجموع مساحة المناطق الخضراء التي كانت آنذاك حوالي 300 هكتارا.
وكان من المتوقع سقي أكثر من 70 هكتارا في الشطر الثاني، لكن وقع تأخر كبير في إنجاز هذا الشطر. لذلك قمنا بالضغط على شركة أمانديس من أجل الإسراع بإنجاز الدراسات الخاصة بالشطر الثاني.
وحاولت إيجاد التمويل للشطر الثاني، فتواصلت مع عدد من الهيئات مثل وزارة البيئة والاتحاد الأوروبي، لكنها كلها باءت بالفشل.
– العمل المتواصل على حماية وتثمين شواطئ المدينة:
ابتداء من شهر ماي 2017 قررنا نهج مقاربة جديدة في تدبير شواطئ المدينة، وهي اعتماد ما تنص عليه دفاتر تحملات اللواء الأزرق في تهيئتها، إذ كان للمدينة آنذاك شاطئان فقط من أصل تسعة هما اللذان حصلا على اللواء الأزرق وهما شاطئ باقاسم وشاطئ أشقار، بعدما كان العدد ثلاثة في السابق، حيث فقد شاطئ الشمس هذا اللواء.
وكنا نسعى لكي يفوز في كل عام شاطئ واحد إضافي على الأقل باللواء الأزرق، وعمليا قمنا بعدة إجراءات وأشغال وأنشطة مهمة خصوصا في شاطئ مرقالة الذي أصبح شاطئا نظيفا بعد التلوث الذي كان يعاني منه لعقود.
لكن، بالرغم من كل الجهود التي بذلتها الجماعة، إلا أنه لم ينضف أي شاطئ جديد يحمل اللواء الأزرق، وذلك لعدة أسباب منها:
– منع السباحة في شواطئ المدينة لموسمين بسبب انتشار وباء كورونا
– بعض الشواطئ كانت تحتاج لتمويلات كبيرة، أساسا لتهيئة الطرق المؤدية إليها كشاطئ الأميرالات
– أحد الشواطئ وهو شاطئ جبيلة كان ولا يزال ملوثا بسبب تلوث واد بوخالف الذي يمر بالمنطقة الصناعية الحرة للمطار، بالرغم من طلبنا المتكرر لشركة أمانديس بمعالجة هذا التلوث.
– العناية بأودية المدينة:
كنت ولا أزال أعتبر أودية المدينة من التراث الطبيعي الذي ينبغي المحافظة عليه، نظرا لأهميتها الإيكولوجية ولأنها تقوم بدور مهم في تصريف مياه الأمطار، بالإضافة إلى أنها تشكل عنصرا من عناصر جمال المدينة ورونقها. وكنت دائما ولا أزال أرفض تغطيتها، لأن ذلك يحرمنا من مشاهدة جمالها كما يمكن أن يتسبب في الفيضانات عند اختناقها عند نزول الأمطار الغزيرة.
ومن الأعمال المهمة التي قامت بها الجماعة للحفاظ على هذه الأودية وللوقاية من الفيضانات، أشغال تنقية هذه الأودية بحيث تمت إزالة كميات هائلة من النفايات ومن الأتربة.
– مبادرات أخرى لم يكتب لها النجاح:
هناك مبادرات عديدة لحماية التراث الطبيعي وتثمينه لم تكلل بالنجاح، سواء التي كانت من اقتراحي أو التي شاركت فيها، نورد بعض الأمثلة عليها:
– اقتراح تحويل أرض إكسبو ومساحتها 90 هكتارا إلى منتزه حضري
– اقتراح تحويل غابة السانية إلى منتزه حضري ممكن أن تصل مساحته إلى 150 هكتار، وفي حالة ما إذا أنجز كان سيرفع المعدل الفردي من المناطق الخضراء إلى 6.4 أمتار مربعة، وكان سيحد من تدهور هذه الغابة خصوصا من جراء عمليات رمي مخلفات البناء فيها
– مشروع الحزام الأخضر الذي اقترحناه في برنامج عمل الجماعة
– العمل على القضاء على نقط التفريغ العشوائية للمياه العادمة، والتي كانت السبب الرئيسي في تلوث أودية وشواطئ المدينة، وعددها كان كبيرا.

























عذراً التعليقات مغلقة