الحوكمة الخضراء والتنمية المستدامة: الاستراتيجية المتكاملة للمغرب والرؤية التشريعية لـ”الدورتين” في الصين(1/2)

ECO1721 مارس 2026
الحوكمة الخضراء والتنمية المستدامة: الاستراتيجية المتكاملة للمغرب والرؤية التشريعية لـ”الدورتين” في الصين(1/2)
الدكتورة حنان اتهاميك، أستاذة جامعية في الصين وباحثة متميزة لدى اللجنة الوطنية للتنمية و الإصلاح الصينية

حماية البيئة في “الدورتين” بالصين لعام 2026: حوكمة قائمة على القانون من أجل مستقبل أكثر خضرة

 

في ظل تصاعد تغير المناخ عالميا، وتزايد الضغوط على الموارد البيئية، والسعي العالمي نحو التحول الأخضر منخفض الكربون، أصبحت حماية البيئة بندا محوريا في الحوكمة العالمية واستراتيجيات التنمية الوطنية. وباعتبار “الدورتين” منصة أساسية للحوكمة الوطنية والعمل التشريعي في الصين، فقد منحت دورة 2026 حماية البيئة الإيكولوجية مكانة استراتيجية أكثر بروزا، مع التركيز على تعزيز بناء الحضارة الإيكولوجية عبر التقنين والمؤسسية والمعيرة، وبناء نظام حوكمة بيئية متكامل ومنسق وفعال. وتعكس مناقشة وتطوير مجموعة من مشاريع القوانين والمقترحات السياسية خلال هذه الدورة التزام الصين طويل الأمد بالتنمية الخضراء، كما تمثل مرحلة جديدة في انتقالها من الحوكمة الواسعة إلى حماية بيئية دقيقة، قائمة على القانون ومنهجية. ومن خلال دمج القيود البيئية في التخطيط الوطني، وتحسين النظام القانوني، وتعزيز آليات التنفيذ والرقابة، وتشجيع المشاركة المجتمعية، تستكشف الصين مسارا تنمويا يوازن بين النمو الاقتصادي ورفاهية الإنسان والأمن البيئي، مقدّمة خبرات عملية ونماذج مؤسسية مهمة للحوكمة البيئية العالمية.

تتمثل القوة الدافعة الأساسية لحماية البيئة في “الدورتين” لعام 2026 في بناء وتحسين النظام القانوني، الذي يوفر ضمانا مؤسسيا متينا لاستدامة الحوكمة البيئية. ومن بين مشاريع القوانين قيد المراجعة، يبرز مشروع مدونة البيئة الإيكولوجية كأهم وأشمل ترتيب قانوني في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة. وباعتباره مدونة أساسية تلي القانون المدني، فإنه يدمج وينسق مختلف القوانين واللوائح البيئية القائمة، ويغطي مجالات رئيسية مثل الهواء والمياه والتربة والنفايات الصلبة والضوضاء والملوثات الجديدة، إضافة إلى استعادة النظم البيئية وحماية التنوع البيولوجي وتحقيق ذروة الكربون والحياد الكربوني والإنتاج الأخضر.

ويحدد المشروع صلاحيات ومسؤوليات الحكومات، وينظم التزامات الشركات والمنظمات، ويؤكد حقوق الجمهور في المشاركة والرقابة، مشكّلًا نظاما قانونيا شاملًا ومتعدد المستويات وقابلًا للتطبيق. كما يتضمن أحكاما خاصة لمواجهة المخاطر البيئية المستجدة، مثل مكافحة الملوثات الجديدة، والإنذار المبكر بالمخاطر، وتقييم الأضرار البيئية والمساءلة، مع رفع كلفة الانتهاكات البيئية للحد من ضعف الرقابة سابقا. ويكرس مفهوم الحضارة الإيكولوجية في المبادئ القانونية، مع التأكيد على الإدارة المتكاملة للأنظمة البيئية، والانتقال من المعالجة اللاحقة إلى الوقاية الشاملة، ومن إدارة جزئية إلى حماية منهجية.

إلى جانب ذلك، تمت مراجعة مشروع قانون التخطيط الوطني للتنمية، الذي يدمج حماية البيئة في كامل عملية التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، محققا التكامل بين التنمية والحوكمة البيئية. إذ يفرض إجراء تقييمات الأثر البيئي وقدرة الموارد الاستيعابية منذ مرحلة إعداد الخطط، ويجعل حماية البيئة والتنمية الخضراء مؤشرات أساسية وقيودًا ملزمة. ويغير هذا الإطار النموذج التقليدي الذي يقدّم النمو الاقتصادي على البيئة، ويضمن عدم المساس بالأمن البيئي أثناء التنمية الصناعية والعمرانية. كما يعزّز التنسيق بين التخطيط الوطني والتنفيذ المحلي، ويضع نظام مساءلة طويل الأمد للقرارات التي تسبّب أضرارًا بيئية جسيمة، مما يمنع السلوكيات قصيرة الأجل. وبذلك تؤسس الصين آلية دائمة لتحقيق التوازن بين التنمية والحماية.

كما وسعت “الدورتان” مفهوم حماية البيئة من خلال ربطها بالتنمية الشاملة والتنسيق الإقليمي. فقد شددت المقترحات على ضرورة الجمع بين حماية البيئة وتحسين معيشة السكان والعدالة الاجتماعية، خاصة في المناطق الهشة بيئيا والمتعددة الأعراق. وتم التأكيد على تحسين آليات التعويض البيئي، وزيادة الدعم للمناطق ذات الوظائف البيئية المهمة، وتطوير صناعات خضراء تتناسب مع الخصائص المحلية، بما يحول المزايا البيئية إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية. ويعكس هذا النهج القائم على الإنسان فهما جديدا يجعل حماية البيئة محرّكًا للتنمية وليس عائقا لها، كما يعزز مشاركة المجتمع بأكمله في الحوكمة البيئية.

وعلى مستوى السياسات العملية، حددت “الدورتان” أهدافا واضحة لحماية البيئة، من بينها مواصلة مكافحة التلوث، وتعزيز التحول الأخضر منخفض الكربون، ورفع مستوى الحوكمة البيئية. وتم التأكيد على معالجة تلوث الهواء والمياه والتربة بشكل متكامل، وتعزيز الرقابة على مصادر التلوث الرئيسية، وتحسين جودة البيئة. كما شددت على تسريع تحقيق أهداف ذروة الكربون والحياد الكربوني، وتطوير الطاقات المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية والمائية، وتحسين كفاءة الطاقة، وتوسيع سوق الكربون. إضافة إلى ذلك، تم التأكيد على دعم الابتكار التكنولوجي في مجالات البيئة، وتعزيز البحث والتطوير في التقنيات الخضراء، وتحسين نظام الرقابة البيئية من خلال التعاون بين الجهات المختلفة.

ومن منظور عالمي، تعكس هذه السياسات والتطورات التشريعية التزام الصين كدولة نامية كبرى بمواجهة التحديات البيئية العالمية. فهي تقدّم نموذجًا عمليًا للتوفيق بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، وتوفر مرجعًا مهمًا للدول النامية لتجنّب مسار “التلوث أولًا ثم المعالجة لاحقًا”. كما تسهم جهود الصين في تعزيز التعاون الدولي في مجالات التكنولوجيا الخضراء والتحول الطاقي، ودعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق