في نظري، لم يظهر نظام الطيبات لأنه اكتشف حقائق غذائية جديدة، بل لأنه جاء كرد فعل على التحولات التي عرفتها أنظمة الإنتاج الغذائي الحديثة. فمع التوسع في الإنتاج المكثف، وانتشار الأغذية المصنعة، وظهور حالات الغش الغذائي، أصبح جزء من المستهلكين يبحث عن غذاء أقرب إلى طبيعته وأكثر وضوحا من حيث المصدر وطريقة الإنتاج.
غير أن الأصل الذي يجب عدم إغفاله هو أن الأصل في الأطعمة الإباحة، ولا يُحرَّم منها إلا ما حرَّمه الله تعالى في القرآن الكريم أو ثبت تحريمه في السنة النبوية الصحيحة. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. لذلك ينبغي التفريق بين التحريم الشرعي وبين التحفظ على بعض الممارسات الإنتاجية أو الصحية.
فالدجاج والبيض، على سبيل المثال، من الأغذية النافعة التي اعتمد عليها الإنسان عبر قرون طويلة، وهما مصدر مهم للبروتين والعناصر الغذائية الأساسية. والمشكلة ليست في هذه الأغذية نفسها، وإنما في بعض الممارسات غير السليمة التي قد ترافق الإنتاج عند غياب الضوابط أو سوء تطبيقها، مما يؤثر على ثقة المستهلك وجودة المنتج.
ومن جهة أخرى، إذا كان نظام الطيبات يقوم على استبعاد بعض الأغذية بسبب ظروف إنتاجها الحالية، فمن الممكن أن يتغير مستقبلا مع تغير أنماط الإنتاج والتقنيات المستعملة. فما يعتبر اليوم مقبولا قد يصبح محل نقاش غداً، والعكس صحيح. وهذا يدل على أن حدود هذا النظام ليست ثابتة، بل تتأثر بالظروف والمعطيات المتغيرة.
لذلك يمكن اعتبار نظام الطيبات طفرة غذائية مرتبطة بمرحلة معينة من تطور الإنتاج الغذائي وبحالة من فقدان الثقة في بعض المنتجات وأساليب إنتاجها، أكثر من كونه قاعدة غذائية مطلقة ونهائية. أما القاعدة الثابتة فهي أن الأصل في الأغذية الإباحة، وأن الحفاظ على جودة الغذاء وسلامته يتحقق بالعلم والرقابة والشفافية، لا بتوسيع دائرة التحريم أو التضييق على ما أحله الله.


















عذراً التعليقات مغلقة