ودغيري: دورة بون للمناخ محطة حاسمة للانتقال من التعهدات إلى التنفيذ الفعلي للالتزامات المناخية

ECO1711 يونيو 2026
ودغيري: دورة بون للمناخ محطة حاسمة للانتقال من التعهدات إلى التنفيذ الفعلي للالتزامات المناخية

أكد الخبير البيئي والمناخي ودغيري أن الدورة الرابعة والستين للهيئات الفرعية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (SB64)، المنعقدة بمدينة بون الألمانية، تشكل إحدى أهم المحطات التفاوضية التقنية في مسار تنفيذ اتفاق باريس للمناخ والتحضير لمؤتمر الأطراف المقبل، في ظل ظرفية دولية استثنائية تتسم بتسارع غير مسبوق لآثار التغير المناخي على مختلف مناطق العالم.

وأوضح ودغيري أن أهمية هذه الدورة تنبع من كونها تأتي في وقت أصبحت فيه موجات الحرارة القياسية والجفاف المتكرر والفيضانات المدمرة وحرائق الغابات واقعا يوميا يهدد الأمن الغذائي والمائي والاقتصادي لملايين الأشخاص، خاصة في الدول النامية والأكثر هشاشة. وأضاف أن الرسالة الأساسية التي برزت خلال الجلسة الافتتاحية تتمثل في ضرورة الانتقال من مرحلة النقاش والتعهدات إلى مرحلة التنفيذ العملي وتسريع العمل المناخي على أرض الواقع.

وأشار إلى أن الخطاب الافتتاحي للأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، سيمون ستيل، عكس بوضوح التحول الذي يشهده النقاش المناخي العالمي، حيث لم تعد أزمة المناخ مجرد قضية بيئية، بل أصبحت قضية تنموية واقتصادية وأمنية تؤثر بشكل مباشر على استقرار الدول والأسواق وسلاسل الإمداد والطاقة والغذاء. كما شدد على أن استمرار الاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري لم يعد يمثل تحديا بيئيا فقط، بل أصبح أيضا عاملا من عوامل الهشاشة الاقتصادية، في مقابل بروز الطاقات المتجددة كخيار استراتيجي لتعزيز الأمن الطاقي وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي ما يتعلق بملف تمويل المناخ، أكد ودغيري أن هذا الموضوع يحتل مكانة مركزية في مفاوضات بون باعتباره الحلقة الأساسية التي تربط بين التعهدات الدولية والتنفيذ الفعلي للمشاريع المناخية. وأوضح أن العديد من الدول النامية ما تزال تواجه صعوبات كبيرة في تعبئة الموارد المالية الضرورية لتنفيذ برامج التكيف وبناء البنيات التحتية القادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، مشيرا إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بحجم التمويلات المعلنة، بل كذلك بمدى سهولة الوصول إليها وفعالية آليات صرفها.

وأضاف أن ملف الخسائر والأضرار بات من أكثر القضايا إلحاحا على الأجندة المناخية الدولية، في ظل تزايد الكوارث المناخية التي تتسبب في خسائر بشرية واقتصادية كبيرة وتؤدي إلى تدمير البنيات التحتية وفقدان مصادر العيش في العديد من المناطق. واعتبر أن التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على الاعتراف بهذه الخسائر، بل يتعلق أساسا بتفعيل آليات عملية وفعالة للاستجابة السريعة وتقديم الدعم المالي والتقني للدول المتضررة.

وفي سياق متصل، أوضح أن التطورات المناخية الأخيرة، بما فيها تأثيرات ظاهرة النينيو وما رافقها من موجات حر وجفاف وفيضانات في عدة مناطق من العالم، تؤكد أن الأزمة المناخية تتسارع بوتيرة تفوق التوقعات السابقة، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي تعزيز الاعتماد على المعطيات العلمية الحديثة وربط القرارات التفاوضية بالواقع الميداني المتغير.

كما أبرز أن التكيف مع التغير المناخي أصبح تحديا استراتيجيا بالنسبة للعديد من الدول، التي باتت مطالبة بإعادة هيكلة سياساتها الزراعية والمائية والتنموية للتأقلم مع التحولات المناخية المتسارعة، خاصة في ظل تراجع الموارد المائية وتغير أنماط التساقطات وارتفاع الضغوط على النظم البيئية. وأكد أن تحقيق الهدف العالمي للتكيف يتطلب استثمارات كبيرة في البنيات التحتية المرنة وأنظمة الإنذار المبكر وإدارة المخاطر المناخية وتعزيز قدرات المجتمعات المحلية على الصمود.

وفي ما يخص جهود خفض الانبعاثات، شدد ودغيري على ضرورة رفع مستوى الطموح في المساهمات المحددة وطنيا وتسريع الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، مع احترام مبادئ العدالة والإنصاف بين الدول وضمان انتقال عادل يحمي الفئات الاجتماعية المتأثرة بالتحول الطاقي ويوفر فرص عمل خضراء ومستدامة.

وبخصوص النقاش المرتبط بالمادة السادسة من اتفاق باريس الخاصة بأسواق الكربون، اعتبر أن هذه الآلية يمكن أن تشكل أداة مهمة لدعم جهود خفض الانبعاثات وجذب الاستثمارات المناخية، شريطة ضمان النزاهة البيئية والشفافية الكاملة ومنع أي ازدواجية في احتساب الانبعاثات، بما يحافظ على مصداقية النظام المناخي الدولي ويعزز الثقة بين مختلف الأطراف.

وعن التجربة المغربية في مجال العمل المناخي، أكد ودغيري أن المملكة راكمت خلال السنوات الأخيرة تجربة مهمة في تعزيز التكيف مع آثار التغير المناخي وتسريع الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، من خلال اعتماد سياسات واستراتيجيات ومشاريع مهيكلة تجمع بين البعدين البيئي والتنموي. وأشار في هذا السياق إلى مشاريع الطاقات المتجددة، وعلى رأسها مجمع نور للطاقة الشمسية، إلى جانب مشاريع الطاقة الريحية، فضلا عن الجهود المبذولة لمواجهة الإجهاد المائي عبر البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي، وتوسيع محطات تحلية مياه البحر، وبرامج إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، ومشروع الربط بين الأحواض المائية المعروف بـ”الطرق السيارة للماء”.

وختم ودغيري بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية التي ينبغي أن تخرج بها أشغال بون تتمثل في أن العالم لم يعد يملك ترف الانتظار أو التأجيل، وأن نجاح المسار المناخي الدولي لن يقاس بعدد الاجتماعات والبيانات الصادرة، بل بمدى قدرة القرارات المتخذة على إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطنين وحماية المجتمعات من المخاطر المناخية المتزايدة، مع إبقاء العدالة المناخية في صلب جميع السياسات والقرارات الدولية وتمكين الدول النامية من التمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق