قد يبدو انخفاض سعر الدجاج خبرا سارا للمستهلكين، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة. غير أن تراجع سعر الكيلوغرام الحي إلى أقل من 7 دراهم، وفق ما حذرت منه الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم، يكشف في الواقع عن أزمة أعمق داخل أحد أهم القطاعات الفلاحية والغذائية بالمغرب.
لماذا انخفضت الأسعار؟
يعرف قطاع تربية الدواجن بالمغرب دورات متكررة من الارتفاع والانخفاض. وعندما يزداد عدد المنتجين أو ترتفع الكميات المعروضة في السوق بشكل يفوق الطلب، تبدأ الأسعار في التراجع.
وفي الفترة الحالية، يبدو أن وفرة العرض تزامنت مع تراجع نسبي في الاستهلاك بعد مواسم شهدت طلبا مرتفعا، وهو ما أدى إلى ضغط قوي على الأسعار عند مستوى الإنتاج.
لكن المشكلة لا تكمن في انخفاض السعر للمستهلك، بل في كونه أصبح أقل من تكلفة الإنتاج بالنسبة للعديد من المربين.
ماذا يعني البيع بأقل من تكلفة الإنتاج؟
تربية الدجاج تعتمد على مجموعة من المدخلات المكلفة، أبرزها الأعلاف، والكتاكيت، والأدوية البيطرية، والطاقة، والماء، والنقل.
وعندما يبيع المربي الدجاج بسعر لا يغطي هذه المصاريف، فإنه يتكبد خسائر مباشرة. وإذا استمر الوضع لفترة طويلة، قد يضطر بعض المربين إلى تقليص الإنتاج أو التوقف عن النشاط نهائيا.
ولهذا السبب أطلقت الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم نداء استغاثة، معتبرة أن الأسعار الحالية تهدد استمرارية عدد من الضيعات ووحدات الإنتاج.
هل يستفيد المستهلك من هذا الوضع؟
على المدى القصير، نعم. فأسعار الدجاج في الأسواق قد تعرف انخفاضا أو استقرارا، ما يخفف العبء على الأسر.
لكن على المدى المتوسط والبعيد، قد تكون الصورة مختلفة. فإذا خرج عدد كبير من المنتجين من السوق بسبب الخسائر، قد ينخفض العرض مستقبلا، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار من جديد وربما بشكل أكبر.
لذلك فإن استقرار القطاع يظل في مصلحة المنتج والمستهلك معا.
قطاع استراتيجي للأمن الغذائي
يعد لحم الدجاج من أكثر مصادر البروتين الحيواني استهلاكا في المغرب، نظرا لسعره الذي يبقى في متناول شريحة واسعة من الأسر مقارنة بأنواع أخرى من اللحوم.
كما يوفر القطاع آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، سواء داخل الضيعات أو في مجالات الأعلاف والنقل والتوزيع والذبح والتسويق.
وأي اضطراب كبير في هذه السلسلة يمكن أن ينعكس على الأمن الغذائي الوطني وعلى دخل عدد كبير من الأسر المرتبطة بالقطاع.
بين حماية المستهلك ودعم المنتج
يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق توازن بين حق المستهلك في الحصول على غذاء بأسعار معقولة، وحق المربي في تحقيق هامش يضمن استمرارية نشاطه.
فاستقرار أسعار الدواجن لا يعني بالضرورة أن تكون مرتفعة أو منخفضة جدا، بل أن تعكس تكاليف الإنتاج الحقيقية وتسمح باستمرار الاستثمار داخل القطاع دون إثقال كاهل المستهلك.
وفي انتظار تطورات السوق خلال الأسابيع المقبلة، يظل السؤال مطروحا: كيف يمكن حماية القدرة الشرائية للمواطن دون أن يدفع المنتجون ثمن ذلك بخسائر تهدد مستقبل إحدى أهم سلاسل الإنتاج الغذائي بالمغرب؟




















عذراً التعليقات مغلقة