أعاد تصدر المغرب لوجهات زيت الصويا القادم من الاتحاد الأوروبي فتح نقاش أوسع حول بنية الأمن الغذائي الوطني، وحجم اعتماد السوق المغربية على الزيوت النباتية المستوردة. فالأمر لا يتعلق فقط بزيت يدخل إلى المطابخ، بل بمادة واسعة الحضور في الصناعات الغذائية، وبفاتورة استيراد تطرح أسئلة اقتصادية وزراعية وبيئية: هل زيت الصويا ضروري فعلا؟ هل تبرر كلفته أهميته؟ ولماذا لا ينتجه المغرب محليا إذا كان يشكل مادة حيوية بالنسبة إلى السوق الوطنية؟
تكشف معطيات التجارة الدولية أن صادرات الاتحاد الأوروبي من زيت الصويا ومشتقاته إلى المغرب بلغت حوالي 313.73 مليون دولار سنة 2025. كما سبق لتقرير أوروبي حول تجارة الصويا أن صنف المغرب ضمن أبرز وجهات زيت الصويا الأوروبي، إذ استورد نحو 247 ألف طن سنة 2020. وتعكس هذه الأرقام موقع المغرب في خريطة تجارة الزيوت النباتية، لكنها تكشف في الوقت نفسه جانبا من التبعية الغذائية التي تزداد حساسية مع تقلبات الأسعار العالمية واضطراب سلاسل الإمداد.
تتجاوز أهمية زيت الصويا الاستهلاك المنزلي المباشر. فهذا الزيت يدخل في إنتاج الزيوت المكررة، والسمن النباتي، والمعلبات، والمخبوزات، والبسكويت، والصلصات، وعدد من المنتجات الغذائية المصنعة. ويقبل الصناع عليه لأنه أقل كلفة من زيوت أخرى، ومحايد نسبيا في الطعم، وسهل التكرير، ومتوفر بكميات كبيرة في السوق العالمية. لذلك لا يستورد المغرب زيت الصويا فقط لأنه زيت غذائي، بل لأنه مكون صناعي منخفض التكلفة داخل سلسلة واسعة من المنتجات اليومية.
لكن هل زيت الصويا ضروري غذائيا؟ الجواب الدقيق أن زيت الصويا ليس مادة لا بديل عنها من الناحية الصحية أو الغذائية. فالحاجة الأساسية للجسم ترتبط بتوفير الدهون النباتية ضمن نظام غذائي متوازن، لا بنوع واحد من الزيت. ويمكن نظريا تعويضه بزيوت أخرى مثل زيت دوار الشمس أو الكولزا أو الزيتون، غير أن الفارق يكمن في السعر والاستعمال الصناعي. فزيت الزيتون، مثلا، أكثر ارتباطا بالهوية الغذائية المغربية وبقيمة صحية معروفة، لكنه أغلى ثمنا ولا يصلح دائما للاستعمال الصناعي الواسع بنفس كلفة زيت الصويا.
من هنا تظهر المفارقة: زيت الصويا ليس ضروريا بالمعنى الغذائي الضيق، لكنه مهم اقتصاديا وصناعيا. فهو يساعد على خفض كلفة إنتاج عدد من المواد الغذائية المصنعة، ويمنح الشركات مادة خام مستقرة نسبيا من حيث السعر والتوفر. غير أن هذه الأهمية تتحول إلى نقطة ضعف عندما يرتبط التموين بالسوق الخارجية. فكل ارتفاع في أسعار الزيوت عالميا، أو اضطراب في النقل البحري، أو تغير في سياسات التصدير لدى الدول المنتجة، يمكن أن ينعكس مباشرة على الأسعار الداخلية.
وتبدو الكلفة المالية واضحة، فحين تبلغ صادرات الاتحاد الأوروبي وحده من زيت الصويا إلى المغرب 313.73 مليون دولار في سنة واحدة، فإن ذلك يعني أن جزءا مهما من العملة الصعبة يوجه لاستيراد مادة يمكن أن تؤثر في أسعار الاستهلاك اليومي. ولا تشمل هذه القيمة بالضرورة كل واردات المغرب من الزيوت النباتية أو من مصادر أخرى، ما يجعل الفاتورة الإجمالية أوسع من رقم المبادلات مع الاتحاد الأوروبي فقط.
أما السؤال الأكثر إلحاحا فهو: لماذا لا ينتج المغرب زيت الصويا محليا إذا كان بهذه الأهمية؟ الجواب يرتبط أولا بالواقع المناخي والمائي، فزراعة الصويا تحتاج إلى موارد مائية وظروف زراعية مستقرة، بينما يعيش المغرب منذ سنوات تحت ضغط الجفاف وتراجع التساقطات وتنافس الزراعات على الماء. كما أن توجيه مساحات واسعة نحو الصويا يطرح سؤال الأولويات الزراعية، خصوصا في بلد يحتاج إلى تأمين الحبوب والخضر والزيتون والأعلاف والمحاصيل الأكثر ملاءمة لمناخه.
ويرتبط السبب الثاني بضعف سلسلة الإنتاج، فإنتاج زيت الصويا لا يحتاج إلى الزراعة وحدها، بل إلى منظومة كاملة تشمل البذور الملائمة، والبحث الزراعي، والتجميع، والتخزين، ووحدات العصر والتكرير، وربط الفلاحين بالسوق. وقد أظهرت دراسة علمية حول تنمية المحاصيل الزيتية في المغرب أن زيت الصويا يمثل حصة كبيرة من واردات الزيوت النباتية المغربية، إذ شكل أكثر من 88.5% من واردات الزيوت النباتية، مقابل نحو 11% لزيت دوار الشمس. ويوضح هذا الرقم أن الخلل ليس في الاستهلاك فقط، بل في ضعف الإنتاج المحلي للزيوت البديلة أيضا.
كما أن الاستيراد ظل لعقود أكثر جاذبية من الإنتاج المحلي من زاوية الكلفة، فالسوق العالمية توفر زيت الصويا بكميات كبيرة وبأسعار تنافسية، خاصة من مناطق ذات إنتاج واسع مثل الأمريكتين وأوروبا. لذلك فضلت الصناعات الغذائية الاعتماد على الاستيراد بدل بناء سلسلة محلية مكلفة وبطيئة. غير أن منطق الكلفة القصيرة الأمد لا يكفي اليوم، لأن الأمن الغذائي لا يقاس بالسعر فقط، بل بالقدرة على الصمود وقت الأزمات.
الحل لا يكمن في رفع شعار الاكتفاء الذاتي الكامل، فهذا الخيار قد يكون مكلفا وغير واقعي في ظل ندرة المياه. لكن المغرب يستطيع تبني مقاربة أكثر توازنا تقوم على أربعة مسارات: تنويع مصادر الاستيراد حتى لا يرتبط السوق بمورد واحد؛ تشجيع زراعة المحاصيل الزيتية الأكثر ملاءمة للبيئة المحلية مثل دوار الشمس والكولزا حيثما توفرت الشروط؛ تطوير البحث الزراعي في الأصناف الأقل استهلاكا للماء؛ وتقوية إنتاج زيت الزيتون دون تحويله إلى بديل شامل بسبب كلفته وطبيعته المختلفة.
تكشف قضية زيت الصويا في النهاية عن سؤال أعمق: كيف يوازن المغرب بين السعر والأمن الغذائي؟ فزيت الصويا ليس مادة حيوية بالمعنى الذي يجعل الحياة الغذائية مستحيلة بدونه، لكنه أصبح مهما داخل نموذج الاستهلاك والصناعة الغذائية. وتكمن الخطورة في أن يتحول هذا الاعتماد الاقتصادي إلى تبعية استراتيجية. لذلك لا يحتاج المغرب إلى قطيعة مفاجئة مع الاستيراد، بل إلى سياسة ذكية تقلل الهشاشة، وتدعم البدائل المحلية، وتعيد النظر في علاقة السوق الوطنية بالزيوت النباتية في زمن الجفاف وتقلبات التجارة العالمية.




















عذراً التعليقات مغلقة