تمكين الجمعيات والتعاونيات المهنية في مجالات الصيد التقليدي والاقتصاد الأزرق مدخل لتعزيز الحكامة والاستدامة 

ECO1726 يونيو 2026
تمكين الجمعيات والتعاونيات المهنية في مجالات الصيد التقليدي والاقتصاد الأزرق مدخل لتعزيز الحكامة والاستدامة 

 

الأستاذ مصطفى بنرامل: خبير بيئي ورئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

يشكل قطاع الصيد البحري التقليدي أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الأزرق بالمغرب، لما يساهم به من خلق فرص الشغل وتحقيق الأمن الغذائي والمحافظة على الموروث الثقافي البحري. غير أن هذا القطاع يواجه تحديات متزايدة ترتبط بضعف التأهيل التقني والتنظيمي للفاعلين، وتنامي الضغوط البيئية على الموارد البحرية، إضافة إلى محدودية القدرات التسويقية والترافعية للتعاونيات والجمعيات المهنية. وتتناول هذه المداخلة تجربة برنامج تكويني وتأطيري بمدينة الصويرة يهدف إلى تمكين الفاعلين المحليين من المعارف والمهارات التقنية والتنظيمية والمالية والترافعية الكفيلة بإرساء نموذج متكامل للاقتصاد الأزرق المستدام. وتخلص الدراسة إلى أن الاستثمار في الرأسمال البشري وتعزيز الحكامة التشاركية والرقمنة والتسويق المستدام يمثل مدخلاً أساسياً لتحقيق استدامة المصايد وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للبحارة.

مقدمة

أصبحت قضايا الاستدامة البحرية والحكامة الرشيدة للموارد الطبيعية من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الساحلية في ظل تزايد الضغوط البيئية والاقتصادية الناتجة عن الاستغلال المفرط للموارد البحرية والتغيرات المناخية. وفي هذا السياق، يبرز الاقتصاد الأزرق كإطار تنموي جديد يسعى إلى تحقيق التوازن بين الاستغلال الاقتصادي للموارد البحرية والحفاظ على النظم الإيكولوجية الساحلية.

وتندرج تجربة الصويرة ضمن هذا التوجه، من خلال برنامج متكامل يستهدف تعزيز قدرات الجمعيات والتعاونيات المهنية العاملة في قطاع الصيد البحري التقليدي، عبر محاور تشمل التأهيل التقني، والحكامة المهنية، والسلامة البحرية، والتسيير المالي، والتسويق التعاوني، والترافع المؤسساتي.

 

أولاً: التأهيل التقني كرافعة للاستدامة الاقتصادية والبيئية

يمثل التطور التكنولوجي أحد أهم محددات تحديث قطاع الصيد التقليدي. وفي هذا الإطار، ركز البرنامج التكويني على إدماج التقنيات الحديثة في الممارسة اليومية للبحارة، خاصة أنماط الملاحة الرقمية المعتمدة على أنظمة تحديد المواقع الجغرافية (GPS) وأجهزة قياس الأعماق والكشف عن تجمعات الأسماك (Sonar)..

 

وقد أظهر البرنامج أن اعتماد هذه التقنيات يساهم في:

  • تعزيز السلامة البحرية وتقليل مخاطر الضياع أثناء الإبحار.
  • تقليص زمن البحث عن المصايد.
  • تخفيض استهلاك الوقود والكلفة التشغيلية.
  • تحسين مردودية رحلات الصيد.

كما أولى البرنامج أهمية خاصة لسلسلة التبريد والمحافظة على جودة المنتوج البحري، حيث بينت المعطيات الميدانية أن اعتماد الصناديق العازلة والتبريد الفوري يساهم في رفع القيمة التسويقية للمصيد وتقليص نسب التلف والهدر الغذائي، بما يعزز الأمن الغذائي المحلي ويرفع دخل البحارة.

 

ثانياً: الحكامة المستدامة للمصايد وحماية الموارد البحرية

تشكل الحكامة البيئية أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الأزرق المستدام. وقد ركز البرنامج على ترسيخ ثقافة الصيد المسؤول من خلال التعريف بأهمية الراحة البيولوجية واحترام التشريعات المنظمة للمصايد.

وأبرزت المؤشرات المقدمة أن الالتزام بفترات الراحة البيولوجية يساهم في استعادة التوازن الإيكولوجي للمخزون السمكي، من خلال حماية مواسم التكاثر وتمكين الأحياء البحرية من استكمال دوراتها البيولوجية.

كما تم التركيز على:

  • مكافحة الصيد غير القانوني وغير المنظم.
  • احترام الأحجام القانونية للمصطادات.
  • اعتماد معدات الصيد الانتقائي.
  • منع استعمال الوسائل المدمرة للأنظمة البيئية البحرية.

ويعكس هذا التوجه تحولاً من منطق الاستغلال قصير المدى إلى منطق التدبير المستدام للموارد الطبيعية.

 

ثالثاً: السلامة المهنية والوقاية البحرية كمدخل لحماية الرأسمال البشري

ينطوي نشاط الصيد البحري التقليدي على مخاطر مهنية متعددة تستوجب تعزيز ثقافة الوقاية والسلامة. لذلك خصص البرنامج حيزاً مهماً للتكوين في مجالات السلامة البحرية والإنقاذ والإسعافات الأولية. كما شمل التكوين: تدبير حالات الغرق، التعامل مع إصابات الكائنات البحرية السامة، قراءة النشرات الجوية ومقياس بوفورت، الاستعمال السليم لوسائل الاتصال والاستغاثة البحرية.

ويؤكد هذا المحور أن الاستثمار في سلامة البحارة يمثل استثماراً مباشراً في استدامة القطاع.

رابعاً: الحكامة المالية والتسويق التعاوني في خدمة الاقتصاد الأزرق

تعتبر الحكامة المالية والتدبير الإداري الرشيد من المقومات الأساسية لنجاح التعاونيات البحرية. ولذلك ركز البرنامج على بناء قدرات الفاعلين المحليين في مجالات:

  • التدبير الإداري للتعاونيات.
  • التخطيط المالي.
  • المحاسبة والشفافية.
  • الرقمنة والأرشفة الإلكترونية.
  • إعداد الميزانيات السنوية.

كما تم التأكيد على أهمية تطوير قنوات التسويق القصيرة التي تربط المنتج مباشرة بالمستهلك، بما يحد من هيمنة الوسطاء ويعزز القيمة المضافة للمنتوج المحلي.

وفي هذا السياق، برزت مجموعة من الآليات المبتكرة، من بينها:

  • العقود المباشرة مع الفنادق والمطاعم.
  • استعمال ملصقات المنشأ الجغرافي.
  • اعتماد رموز الاستجابة السريعة .
  • تطوير منصات رقمية للطلب المسبق.
  • الاستثمار في سلاسل التبريد والنقل المبرد.

وتسهم هذه التدابير في تعزيز تنافسية منتجات الصيد التقليدي داخل الأسواق الوطنية والدولية.

 

خامساً: الترافع المؤسساتي وبناء القدرات التفاوضية

أصبح الترافع القائم على الأدلة العلمية والمعطيات الإحصائية أحد أهم أدوات التأثير في السياسات العمومية. ومن هذا المنطلق، ركز البرنامج على تطوير مهارات إعداد المذكرات الترافعية وصياغة المطالب المهنية وفق مقاربة قانونية ومؤسساتية.

وترتكز هذه المقاربة على:

  • التشخيص الدقيق للإشكاليات الميدانية.
  • توظيف المعطيات الكمية والنوعية.
  • الاستناد إلى النصوص القانونية والتنظيمية.
  • تحديد الشركاء والجهات المختصة.
  • اقتراح حلول قابلة للتنفيذ والتتبع.

كما تم إبراز أهمية التشبيك بين التعاونيات والجمعيات والغرف المهنية والمؤسسات العمومية من أجل توحيد الرؤية وتعزيز القدرة التفاوضية للفاعلين المحليين.

 

النتائج والتوصيات

تؤكد تجربة المنتدى الأطلسي بالصويرة أن تمكين الجمعيات والتعاونيات المهنية يمثل مدخلاً استراتيجياً لتحقيق التحول نحو اقتصاد أزرق مستدام. ولتعزيز هذه الدينامية، توصي الدراسة بما يلي:

  1. تعميم برامج التكوين التقني والرقمي لفائدة البحارة والتعاونيات.
  2. دعم الاستثمار في معدات الملاحة وسلاسل التبريد.
  3. تعزيز آليات الحكامة التشاركية والتدبير المالي الشفاف.
  4. تطوير قنوات التسويق المباشر والرقمي للمنتجات البحرية.
  5. تقوية منظومات السلامة البحرية والإسعافات الأولية.
  6. توسيع تطبيق مقاربات التدبير التشاركي للمصايد.
  7. دعم قدرات الترافع المؤسساتي والتشبيك المهني.
  8. تشجيع الشراكات بين التعاونيات والمؤسسات البحثية والجامعات.

 

خاتمة

إن بناء اقتصاد أزرق مستدام لا يقتصر على حماية الموارد البحرية والمحافظة على التوازنات الإيكولوجية للمحيطات والسواحل فحسب، بل يتطلب قبل كل شيء الاستثمار في الإنسان باعتباره الفاعل الرئيسي والمحرك الأساسي لكل دينامية تنموية مستدامة. فالموارد الطبيعية، مهما بلغت أهميتها، تبقى محدودة الأثر إذا لم تُواكبها سياسات عمومية وبرامج تأهيلية تستهدف تطوير القدرات البشرية وتعزيز الكفاءات المهنية والتنظيمية للفاعلين المحليين. ومن هذا المنطلق، يشكل تمكين البحارة والجمعيات والتعاونيات المهنية من المعارف التقنية والمهارات التدبيرية وآليات الحكامة الحديثة ركيزة أساسية لضمان استغلال عقلاني ومستدام للموارد البحرية، وتحويل الاقتصاد الأزرق من مجرد مفهوم نظري إلى ممارسة تنموية ملموسة تنعكس إيجاباً على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات الساحلية.

وعليه، فإن مستقبل الصيد البحري التقليدي بالمغرب، وخاصة بالمناطق الساحلية ذات المؤهلات البحرية المتميزة كالصويرة، يظل رهيناً بمدى القدرة على ترسيخ نموذج تنموي قائم على الحكامة التشاركية والابتكار والرقمنة والاستدامة البيئية. كما أن نجاح هذا النموذج يتطلب توطيد الشراكات بين مختلف المتدخلين من مؤسسات عمومية، وهيئات مهنية، ومراكز للبحث العلمي، وجماعات ترابية، ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن الالتقائية والنجاعة في التدخلات. ومن شأن هذا التوجه أن يساهم في بناء اقتصاد أزرق تنافسي وشامل، قادر على خلق فرص الشغل اللائق، وتحسين جودة حياة الساكنة الساحلية، والمحافظة على الثروات البحرية للأجيال الحالية والقادمة، انسجاماً مع أهداف التنمية المستدامة والتوجهات الوطنية والدولية الرامية إلى تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة البحرية.

وفي الختام، نتقدم بخالص عبارات الشكر والتقدير إلى المركز الدولي للبحث وتعزيز القدرات (CI2RC)، بالصويرة وكافة شركائه على المجهودات الكبيرة التي بُذلت من أجل إنجاح مختلف أنشطة وفعاليات الملتقى الأطلسي بالصويرة في دورته الثانية لسنة 2026، والتي تميزت بحسن التنظيم، وغنى المضامين العلمية والتكوينية، وجودة النقاشات والتبادل المعرفي. كما شكل هذا الملتقى فضاءً حقيقياً للحوار والتشبيك وتبادل الخبرات، وأسهم في تعزيز الوعي بأهمية التنمية المستدامة والاقتصاد الأزرق، وترسيخ ثقافة الشراكة والتعاون بين مختلف الفاعلين والمؤسسات.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق