سلسلة “قصتي مع التراث”..بقلم الدكتور أحمد الطلحي (5)

ECO179 أغسطس 2025
سلسلة "قصتي مع التراث"..بقلم الدكتور أحمد الطلحي (5)
د. أحمد الطلحي- خبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

الحلقة 5: الدراسة الجامعية

 – الدراسة الجامعية في فاس:

في بداية شهر غشت 1985 وتحت درجة حرارة مرتفعة، سافرنا أنا وأخي الأكبر محمد العربي مع الوالد رحمه الله إلى مدينة فاس، للتسجيل في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله الواقعة في حي ظهر المهراز وكذلك التسجيل في الحي الجامعي الكائن بنفس الحي.

التحقنا للدراسة في فاس بدل تطوان التي كان مفروضا على طلبة عمالة طنجة الدراسة فيها، لأنني كنت سأتابع دراستي في شعبة اللغة الألمانية وآدابها تنفيذا لرغبة أستاذي في مادة اللغة الألمانية الذي عندما زرناه في بيته بمعية تلاميذه الذين نجحوا في الباكلوريا، حيث اقترح على البعض منا أن يدرس الألمانية في الجامعة وكنت أنا ممن اقترح عليهم ذلك، وكانت شعبة اللغة الألمانية توجد آنذاك في كليتين فقط هما: كلية الآداب والعلوم الإنسانية في فاس وكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط. وكان أخي يريد الدراسة في كلية الحقوق والتي لم تكن موجودة آنذاك لا في تطوان ولا في طنجة، وحينما سأل عن الدراسة في هذه الكلية تراجع واختار الدراسات الإسلامية، وحتى نعيش معا في مدينة واحدة لم يذهب للتسجيل في تطوان، بل سجل نفسه مؤقتا في شعبة الفلسفة التي لم تكن موجودة في تلك الفترة في كلية تطوان، ثم غير الشعبة بعد ذلك إلى شعبة الدراسات الإسلامية.

بعد أقل من شهر من متابعتي لدروس الألمانية، اكتشفت أن هذه الشعبة لا تستجيب لميولاتي، فقررت إعادة التسجيل في شعبة التاريخ والجغرافيا، إذ منذ الصغر وأنا تستهويني المواضيع الجغرافية، وكنت دائما ما أخط تصاميم لمدن أتخيلها، أي الميول المبكرة للتخطيط العمراني بدون أن يكون لي علم بذلك ولا حتى بما أقوم به هو يصنف ضمن التخطيط العمراني.

كانت كل مؤسسات الجامعة في فاس باستثناء الحي الجامعي عين قادوس، توجد في مكان واحد هو ظهر المهراز، الحي العسكري الذي توجد به عدد من الثكنات العسكرية ونادي الضباط ودواوير تقطن بها أسر الجنود. بل إن عددا من بنايات الجامعة كانت بنايات عسكرية للاحتلال الفرنسي، فكلية الحقوق كانت قاعدة جوية وتم تحويل مرائب الطائرات إلى مدرجات، وكلية الآداب كانت بناية المستشفى العسكري، والحي الجامعي الخاص بالذكور كان سكنا للضباط والجنود الفرنسيين.

 

وكليتنا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، تأسست في عام 1961 كملحقة تابعة لكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط، وكان العميد آنذاك هو الفيلسوف المغربي الشهير محمد عزيز لحبابي، وكانت لي الفرصة أن أحضر محاضرة له في الكلية بفاس خلال سنوات دراستي بها.

درست في السلك الأول (سنتان) في شعبة التاريخ والجغرافيا، وفي السلك الثاني في شعبة الجغرافيا (سنتان)، حيث لم تكن آنذاك الشعبتان منفصلتين في السلك الأول. أذكر أن عدد الطلبة كان كبيرا، بحيث كنا في السنة الأولى ندرس في المدرجات وكان العدد يتجاوز 600 طالب، بينما في السلك الثاني في شعبة الجغرافيا كان العدد قليلا ربما كان 170 في السنة الثالثة، لأن أغلبية الطلبة يختارون شعبة التاريخ. وكنت أنجح دائما في الدورة الأولى التي كانت في شهر ماي بينما الدورة الثانية في شهر يونيو، باستثناء السنة الرابعة التي كانت فيها دورة واحدة في شهر يونيو 1989 وسميت بالدورة الاستدراكية لأنه تمت مقاطعة امتحانات الدورة الأولى، وكانت هذه السنة مشهورة عند الطلبة ب”سنة سيدي علي” لأنه تم توزيع قنينات هذه العلامة التجارية من الماء المعدني، وكانت الكلية والجامعة مطوقة برجال الأمن، بل وضع على باب كل قاعة للامتحان رجلا أمن، وأذكر أن الطلبة في القاعة التي كنت فيها احتجوا على أسئلة الامتحان الصعبة فدخل على الفور رجال الأمن بخوداتهم إلى القاعة وسألوني لماذا تحتجوا لأن طاولتي كانت توجد عند باب القاعة فأجبتهم بأني لم أحتج لأنني أرى بأن الأسئلة في المتناول وطلبت منهم أن يسألوا الطلبة الذين احتجوا، وبالفعل جاء العميد رفقة بعض مساعديه وسأل الطلبة عن سبب احتجاجهم واستدعى أستاذ المادة الذي شرح وبسط أسئلة الامتحان. ففي هذا الجو المشحون والمرعب اجتزنا الامتحانات لمدة ثلاثة أيام، وأذكر أنه في الفترة بين مواد الامتحان خرجت من القاعة للراحة فمنعني رجال الأمن وقبل أن يرجعوني إلى القاعة اقترحوا علي أن أغسل وجهي إذا أردت، وذاك ما كان فغسلت وجهي لأول مرة في حياتي بالمياه المعدنية وكان أحد رجال الأمن هو من يصب الماء على كفي.

وفي السنة الثالثة أو الرابعة، صدر كتاب “المدينة الإسلامية”، اشتريته وقرأته وتأثرت به وازدادت معرفتي بخصائص ومقومات التعمير الإسلامي، قدمته للأستاذ الذي كان يدرسنا مادة جغرافية المدن فقرأه هو بدوره ولما أعاده لي أخبرني بأنه كتاب مهم وشكرني. ويظهر أنها كانت البدايات الأولى لاهتمامي بالعمارة الإسلامية، وبالرغم من ذلك اخترت أن يكون بحث التخرج في الإجازة في موضوع آخر هو: “صناعة الملابس بمدينة طنجة”.

جامعة فاس كانت مشهورة بكثرة الإضرابات والمسيرات الطلابية التي كانت تخرج في بعض الأحيان خارج الحرم الجامعي فيقع الصدام مع قوات التدخل السريع، فينتج عن ذلك ضحايا من الطرفين، واستشهد عدد من الطلبة في هذه المواجهات، وعند كل مواجهة كنا نضطر لمغادرة الحي الجامعي حتى تهدأ الأمور ثم نرجع، لأن رجال الأمن كانوا يقتحمونه ويكسروا أبواب غرفه بحثا عن الطلبة المطلوبين أو المبحوث عنهم، ومن وجد في الحي يتعرض أحيانا للضرب والإهانة وحتى إلى الاعتقال. وبما أن أبواب الغرف بعد الاقتحام تكون مشرعة يتعرض البعض منها للسرقة، وأنا شخصيا فقدت ساعة المنبه بعد أحد الاقتحامات وآلة التسجيل في مرة أخرى.

كان نشاطنا لا يقتصر على حضور المحاضرات والدروس، وقراءة الكتب والمراجع التي لها علاقة بالمقررات، بل كنا نتابع الصحف والمجلات الوطنية والأجنبية ونقرأ الكتب المتنوعة، وكنا نحرص على حضور أغلب الأنشطة الجامعية من ندوات علمية ومناقشات الرسائل الجامعية. كما كنا نتابع أو نشارك في مختلف الأنشطة الطلابية، الثقافية والرياضية والنقابية والسياسية.

– الدراسة الجامعية في الرباط:

لما حصلت على الإجازة سنة 1989 انتقلت مع أخي محمد العربي إلى الرباط لمتابعة الدراسات العليا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس، فالتحقت بشعبة جغرافية المدن في السلك الثالث. ولقد تأثرت كثيرا بدروس بعض أساتذتي خصوصا الدروس المتعلقة بتاريخ التعمير في المغرب، كما أنني بدأت أقرأ الكتب والبحوث المتعلقة بالمدينة العتيقة.

وبالرغم من اهتمامي بموضوع التراث المعماري والمدن العتيقة، لكن موضوع البحث كان غير ذلك وفي موضوع مهم جدا في الدراسات الحضرية ألا وهو النقل الجماعي في سلا-الرباط، ولا أذكر إن كنت أنا الذي اخترت هذا الموضوع أو الأستاذ المشرف هو الذي اقترحه علي.

الحياة الجامعية في الرباط لها خصوصيات مختلفة عن فاس، فمؤسسات جامعة محمد الخامس والمعاهد والمدارس العليا بالرباط كانت منتشرة في عدد من الأحياء بعكس المؤسسات الجامعية بفاس، والطابع الغالب على الساحة الجامعية هو الهدوء وقلة الصراعات الطلابية والمواجهات مع الأمن، كما أن الأنشطة الجامعية من ندوات ومناقشات الرسائل كانت أكثر مقارنة بفاس.

سكنا في بيت في حي “دوار القرعة” قرب البحر وقرب سوق الجملة القديم للخضر والفواكه، كنا ثمانية طلبة، أربعة من جامعة فاس وأربعة من جامعة مكناس. عشت أنا وأخي طيلة هذه السنة بمنحة واحدة، وكانت لأخي، يأخذها من دراسته بدار الحديث الحسنية، حيث حرمنا معا من منحة السلك الثالث، إذ لم تمنح وزارة التعليم العالي سوى منحة واحدة لكل شعبة في جامعة فاس كعقوبة جماعية على مقاطعة الامتحانات، وكان ترتيبي الثاني في دفعتي، وبعد ذلك بمدة وصلني خبر مفاده أن الطالب الوحيد الذي حصل على المنحة في شعبة الجغرافيا في فاس نجح في مباراة المدرسة العليا للأساتذة فضاعت المنحة. وبالإضافة إلى المنحة كنا نستعين على نفقاتنا بمداخيل بيعنا للكتب واللوازم المدرسية في بداية الموسم الدراسي في طنجة.

ورغم الظروف الصعبة استطعنا متابعة الدروس في الجامعة، بل كنا نحضر لمختلف الأنشطة داخل وخارج الجامعة.

– تأثري الكبير بعبد اللطيف الحجامي رائد العمارة الإسلامية بالمغرب:

يبقى أهم عامل جعلني مهتما ومهموما بالتراث المعماري وبالمدن العتيقة المغربية إلى اليوم، هو معرفتي وعلاقتي القوية بالسيد عبد اللطيف الحجامي، الذي كان بالنسبة لي أستاذي الأول في هذا المجال وأعتبره رائد العمارة الإسلامية بالمغرب.

وعبد اللطيف الحجامي رحمه الله مهندس معماري ورجل واسع الثقافة والمعرفة، وهو ابن الفقيه المجاهد أحمد الحجامي أحد قادة المقاومة المسلحة ضد فرنسا وإسبانيا. كان على رأس مندوبية إنقاذ مدينة فاس التي أعدت ملف تصنيف مدينة فاس تراثا عالميا من قبل اليونسكو، ثم مديرا عاما لوكالة التخفيض من الكثافة ورد الاعتبار لمدينة فاس العتيقة وانتهى مساره المهني في القطاع الخاص.

كنت ألتقي بعبد اللطيف الحجامي كثيرا حينما كان يأتي للرباط لإعطاء الدروس في المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، وكنت أحضر بعض محاضراته في هذه المدرسة وكذلك مناقشات بحوث تخرج طلبته، وكنت أرافقه في زياراته لطلبته الذين كان يشرف على بحوثهم، كما كان يزورنا في البيت ونحن طلبة في الرباط، وطبعا في كل هذه اللقاءات كنت أستفيد من أفكاره المتعلقة بالتراث ومن توجيهاته.

– العودة للدراسة في فاس:

بسبب انشغالي بعلاج والدتي من مرض أصابها ولإجرائها لعملية جراحية لم أتمكن من اجتياز امتحانات السلك الثالث في الرباط، وصدر قرار من إدارة الكلية يمنع إعادة تسجيل الذين لم يجتازوا الامتحانات، فاضطررت للانتقال للدراسة في فاس في نفس التخصص (جغرافية المدن). خلال هذه السنة أصبح اهتمامي بالمدينة العتيقة أكبر، حيث شاركت بعرض لازلت أحتفظ به إلى الآن حول المدن المغربية العتيقة، وشاركت في عدد من الأبحاث والدراسات التي كانت تقوم بها وكالة التخفيض من الكثافة وإنقاذ مدينة فاس التي أسسها وسيرها المرحوم عبد اللطيف الحجامي لعدة أعوام، كما كنت أحضر تقريبا كل الأنشطة العلمية والثقافية التي لها علاقة بالتراث المعماري.

بعد حصولي على دبلوم استكمال الدروس (أو دبلوم الدراسات المعمقة أو ما يعادل الماستر حاليا) في عام 1991، وكان موضوع بحث التخرج هو “التحولات السكنية بمنطقة باب الكيسة-عين أزليتن بمدينة فاس الأصيلة” تحت إشراف الأستاذ محمد عامر، وبسبب خلاف وقع بينه وبين عبد اللطيف الحجامي رحمه الله، اضطررت لتسجيل رسالتي في كلية الآداب بالرباط، خشية أن يتأثر مسار الرسالة بهذا الخلاف، لكن إقامتي ظلت في فاس. وخلال سنتين كنت قد أتممت الرسالة وطلبت من المشرف أن نحدد موعدا للمناقشة فرفض، وكان من عادة عدد من المشرفين على رسائل الطلبة في الرباط أن يِؤخروا لأعوام طويلة موعد مناقشة رسائلهم. ورغم توسط الحجامي مشكورا تشبث المشرف بموقفه، فكان أن طلب منه أن يتنازل عن الإشراف فتم ذلك. فرجعت مرة أخرى إلى فاس، حيث قبل الأستاذ بوطيب الطاك مشكورا الإشراف على رسالتي، وهو أيضا أحد أساتذتي، إذ درسني في السنة الرابعة مادة الجغرافية الإقليمية. لكن الصدمة كانت هي عندما أردنا القيام بإجراءات التسجيل، فوجئنا بأنه لا يمكن ذلك لأن كلية الآداب-سايس التي كان يدرس بها الأستاذ الطاك كانت حديثة العهد آنذاك ولم يتخرج منها أي فوج بعد من الإجازة، فانتظرنا لمدة عام كامل لإنهاء عملية التسجيل.

ولما بدأت تحرير بحث الرسالة طلب المشرف إضافة نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لعام 1994، فتأخرت الرسالة لمدة إلى حين أن ظهرت نتائج الإحصاء في عام 1997. وبسبب اختلاف في وجهات النظر بيني وبين الحجامي اضطررت لإجراء بحث ميداني جديد واعتماد نتائجه في تحرير الرسالة بدل معطيات الدراسات والأبحاث التي أجرتها المؤسسة التي كان يشرف على إدارتها، مما أضاف مدة أخرى في تأخر إنهاء العمل في الرسالة.

وفي يوم 14 دجنبر 1998 ناقشت الرسالة التي كان عنوانها “تدهور السكن في مدينة فاس الأصيلة ومحاولات إصلاحه”، وحصلت على ميزة حسن جدا (أو مشرف جدا كما أصبحت الآن)، وذلك بعد سبعة أعوام من التسجيل الأول، بمعنى على الأقل ثلاث سنوات ضائعة، وكنت في ذلك الوقت متزوجا وابنتي آلاء حفظها الله عمرها ثلاثة أعوام.

– بحث الماستر:

كان موضوع بحث نهاية الدراسة في السلك الثالث لنيل دبلوم كان يسمى آنذاك دبلوم استكمال الدروس أو دبلوم الدراسات المعمقة وهو ما يعادل الماستر حاليا، هو “التحولات السكنية بمنطقة باب الكيسة-عين أزليتن بمدينة فاس الأصيلة” تحت إشراف الأستاذ محمد عامر. وكنت أعددته بالاشتراك مع طالب باحث آخر، لكني ناقشته بمفردي في أواخر عام 1991 لأن الطالب الآخر رسب في الامتحان الكتابي.

– بحث الرسالة:

كان موضوع الرسالة التي ناقشتها في يوم 14 دجنبر 1998 بأحد مدرجات كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس، وحصلت على ميزة حسن جدا، هو “تدهور السكن في مدينة فاس الأصيلة ومحاولات إصلاحه”.

وكانت لجنة المناقشة تتكون من الأساتذة:

– إبراهيم أقديم رئيسا

– بوطيب الطاك مقررا

– أمينة البوعيشي عضوا

– محمد البوشيخي عضوا

– تدبير الضائقة المالية بعد وفاة الوالد:

في العام الثالث من دراستي بالجامعة، وبالضبط في شهر دجنبر، توفي الوالد رحمه الله بعد معاناة مع المرض، فأصبح العبء ثقيلا علي وعلى أخي الأكبر، إذ لم يترك لنا الوالد سوى البيت الذي نسكن فيه، كنا نعيش في الطابقين العلويين ونكتري الطابق السفلي بمبلغ لا يكفي لسد كل احتياجات الأسرة التي كانت تتكون من جدتي لأبي ووالدتي وأخي الصغير الذي كان يدرس في الطور الإعدادي، وكان صاحب البازار الذي كان يتعامل معه والدي يقدم لنا مساعدة مالية وفاء للصداقة التي كانت بينهما، لكن هذه المساعدة توقفت بعد مدة ليست بالطويلة. كان علينا أنا وأخي الأكبر أن نوفر دخلا إضافيا.

كانت أول مبادرة لمساعدة الأسرة هي سفري في عطلة الصيف إلى إسبانيا للعمل كما كانت تصنع نسبة لا بأس بها من الطلبة في ذلك الوقت، لكنني لم أتمكن من الاشتغال إلا لمدة قصيرة خلال شهرين من إقامتي في ضواحي مدينة برشلونة، اشتغلت في البناء وفي الزراعة وفي النظافة، لكني لم أوفر شيئا ونجحت فقط في استرجاع ما أنفقته من مال، وحين عودتي سددت القرض الذي اقترضته من أجل الإنفاق على السفر.

المبادرة الثانية كانت لأخي الأكبر الذي قام بأخذ قرض عائلي وكراء محل تجاري في الحي وبدأ في بيع الكتب واللوازم المدرسية، وانخرطت معه في هذا العمل حينما عدت من إسبانيا، والحمد لله نجحت هذه المبادرة واستطعنا توفير دخل إضافي للإنفاق على الأسرة، وكررنا نفس العمل في السنة الموالية، وهو ما مكننا أيضا من الإنفاق على دراستنا في السلك الثالث في الرباط. لكن بعد ذلك، توقفنا عن هذه التجارة لكثرة المحلات التي كانت تقوم بنفس التجارة في الحي.

ولمواجهة الضائقة المالية اضطررنا لبيع ما تبقى من حلي الوالدة، كما اقترضنا من أحد أفراد العائلة، وذلك لشراء وتجهيز قارب صغير للصيد البحري حتى نوفر دخلا إضافيا. كان هذا القارب يعمل في أصيلة، لكن هذا المشروع تعثر بعد مدة لا بأس بها، بل تراكمت علينا الديون المتعلقة بصيانة القارب وبشراء أدوات الصيد، فما كان علينا إلا أن بعناه وسددنا هذه الديون بثمنه.

وخلال سنوات إعداد رسالتي الجامعية، اضطررت للعمل للإنفاق علي وعلى أسرتي الصغيرة بعدما تزوجت. ولتوفير احتياجات والدتي وباقي أفراد الأسرة، كنا نقترض من بعض الأصدقاء، واستمر هذا الحال لمدة طويلة.

وبسبب تراكم الديون، اضطررنا لبيع بيتنا، وكان ثمن البيع أقل بكثير مما كنا نطلبه، وذلك بسبب حدوث أزمة عقارية في المدينة. قمنا بسداد الديون، والباقي استثمرناه في مشروع متوسط الحجم بالاشتراك مع بعض الأصدقاء، وبدأنا ننفق علينا وعلى الوالدة من مداخيل هذا المشروع.

وبذلك، تمكنا والحمد لله من تجاوز الضائقة المالية التي عانينا منها بعد وفاة الوالد رحمه الله، وتمكنا من إكمال دراستنا.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق