مراكش تعرض تجربتها الخضراء في سمرقند

ECO174 يونيو 2026
مراكش تعرض تجربتها الخضراء في سمرقند

لم تعد المدينة المستدامة مجرد شعار بيئي يرفع في المؤتمرات الدولية، بل أصبحت اليوم مدخلا عمليا لإعادة التفكير في الاقتصاد المحلي، وجودة العيش، وتمويل التحول الحضري. ومن هذا المنطلق، تكتسي مشاركة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالمغرب في أكاديمية المدن التابعة للبرنامج العالمي للمدن المستدامة، المنظمة بمدينة سمرقند بأوزبكستان على هامش الدورة الثامنة للجمعية العامة لمرفق البيئة العالمي، المنعقدة خلال الفترة الممتدة من 30 ماي إلى 6 يونيو 2026، أهمية خاصة، لأنها أبرزت تجربة مغربية آخذة في التشكل: تجربة برنامج “مراكش، مدينة مستدامة”.

تقوم هذه التجربة على فكرة أساسية مفادها أن التحول البيئي للمدن لا يتحقق عبر مشاريع منفصلة، بل يحتاج إلى رؤية مندمجة تجمع بين التخطيط، والحكامة، والتمويل، والمعطيات، والشراكة مع القطاع الخاص. لذلك لم تقدم مراكش نفسها في هذا اللقاء الدولي باعتبارها مدينة سياحية فقط، بل باعتبارها مختبرا حضريا يسعى إلى ربط جاذبيته الاقتصادية بحماية موارده الطبيعية، وتطوير بنياته الخضراء، وتعزيز قدرته على مواجهة آثار التغير المناخي.

وقد أبرزت التجربة عددا من المداخل العملية، في مقدمتها تقوية التنسيق بين الفاعلين المحليين والمؤسساتيين، وملاءمة المشاريع مع برنامج عمل الجماعة، وإنتاج معطيات دقيقة حول التنوع البيولوجي الحضري، واعتماد ميثاق أخضر حضري، إلى جانب تعبئة التمويلات العمومية والخاصة. وتكشف هذه العناصر أن الاقتصاد الأخضر داخل المدن لا يبنى فقط بالاستثمارات الكبرى، بل كذلك بحسن توجيه القرار المحلي، ووضوح الأولويات، وقدرة المدينة على تحويل البيئة إلى رافعة للتنمية.

وتظهر أهمية تجربة مراكش أيضا في طبيعة المجالات التي تشتغل عليها، مثل التنقل المستدام، والنجاعة الطاقية، وتدبير النفايات، وحماية التنوع البيولوجي، والسياحة القائمة على الطبيعة. وهي مجالات تجمع بين البعد البيئي والبعد الاقتصادي، لأنها تفتح إمكانات جديدة للاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتحسين صورة المدينة، وتقوية تنافسيتها، دون التضحية بالموارد الطبيعية أو بحق السكان في بيئة حضرية سليمة.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن فقط في عرضها دوليا، بل في قدرتها على إلهام باقي المدن المغربية. فالانتقال نحو مدن أكثر استدامة يقتضي تجاوز منطق المشاريع المعزولة، والانتقال إلى منطق السياسات الحضرية المندمجة، حيث يصبح الماء، والطاقة، والنقل، والنفايات، والمساحات الخضراء، والسياحة، عناصر مترابطة داخل نموذج اقتصادي وبيئي واحد.

إن ما جرى تقديمه في سمرقند يبعث برسالة واضحة: المدن المغربية تستطيع أن تكون فاعلا في التحول البيئي العالمي، شريطة أن تمتلك أدوات التخطيط، وأن تعزز التنسيق بين الفاعلين، وأن تعبئ التمويل، وأن تقيس أثر مشاريعها على السكان والبيئة والاقتصاد المحلي. ومن هنا، فإن تجربة مراكش لا تمثل نهاية الطريق، بل بداية مسار يمكن أن يجعل من المدينة المستدامة مشروعا اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا في آن واحد.

وبين مراكش وسمرقند، يبدو أن السؤال لم يعد: هل تحتاج المدن إلى الاستدامة؟ بل أصبح: كيف يمكن تحويل الاستدامة إلى فرصة حقيقية لصناعة مدينة أكثر عدلا، وأكثر اخضرارا، وأكثر قدرة على خلق الثروة دون استنزاف المستقبل؟

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق