مياه البحر تصل إلى مراكش

ECO174 يونيو 2026
مياه البحر تصل إلى مراكش

 

تحلية مياه البحر تعيد رسم الخريطة المائية للمغرب: مراكش ومدن الداخل على موعد مع مرحلة جديدة من الأمن المائي

لم تعد تحلية مياه البحر في المغرب مشروعا يهم المدن الساحلية وحدها، بل تحولت تدريجيا إلى رافعة استراتيجية لإعادة توزيع الموارد المائية بين مختلف جهات المملكة. وفي هذا السياق، أعلن وزير التجهيز والماء نزار بركة أن مدن مراكش وابن جرير واليوسفية وخريبكة ستستفيد من مياه البحر المحلاة ابتداء من شهر يوليوز 2026، في خطوة تعكس التحول الذي تعرفه السياسة المائية المغربية نحو تعزيز العدالة المجالية وضمان الأمن المائي على المدى الطويل.

من مواجهة الجفاف إلى بناء السيادة المائية

جاء هذا الإعلان خلال الدورة الثانية لملتقى MAP Town Hall المنظم تحت شعار “الرؤية الملكية للماء: ركيزة السيادة المائية والعدالة المجالية”، حيث أكد الوزير أن المغرب يعتمد مقاربة متكاملة تقوم على تنويع مصادر المياه وعدم الارتهان للتساقطات المطرية وحدها.

فبعد سنوات متتالية من الإجهاد المائي وتراجع المخزون المائي بالسدود، أصبحت الموارد غير التقليدية، وفي مقدمتها تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، جزءا أساسيا من المزيج المائي الوطني.

تحلية مياه البحر تصل إلى المدن الداخلية

تكمن أهمية هذا المشروع في كونه يوسع الاستفادة من المياه المحلاة إلى مدن بعيدة عن الساحل، وهو ما كان يبدو قبل سنوات قليلة خيارا مكلفا ومعقدا تقنيا.

وتعكس استفادة مراكش وابن جرير واليوسفية وخريبكة من المياه المحلاة تحولا في فلسفة تدبير الماء بالمغرب، حيث لم يعد الموقع الجغرافي المحدد الوحيد لإمكانية الوصول إلى الموارد المائية، بل أصبحت البنيات التحتية للنقل والربط المائي تسمح بإيصال هذه الموارد إلى المناطق الأكثر حاجة إليها.

ويعني ذلك عمليا تقليص الضغط على الفرشات المائية والموارد التقليدية التي عانت خلال السنوات الأخيرة من الاستنزاف والجفاف المتكرر.

الطرق السيارة للمياه: تضامن مائي بين الجهات

يرتبط هذا التوجه بمشاريع الربط بين الأحواض المائية التي يصفها المسؤولون المغاربة بـ”الطرق السيارة للمياه”، وهي مشاريع تسمح بنقل المياه من المناطق التي تعرف فائضا نسبيا إلى المناطق التي تعاني خصاصا متزايدا.

وبحسب وزير التجهيز والماء، فإن هذه المشاريع تساهم في بناء تضامن وطني حقيقي في مجال الماء، وتحول هذا المورد الحيوي إلى أداة لتحقيق العدالة الترابية وتقليص الفوارق بين الجهات.

ولا يتعلق الأمر فقط بتأمين الماء الصالح للشرب، بل أيضا بدعم الأنشطة الاقتصادية والفلاحية والصناعية التي تعتمد بشكل مباشر على استقرار الموارد المائية.

هدف 2030: 60% من مياه الشرب من التحلية

أكد الوزير أن المغرب يطمح إلى تغطية نحو 60% من حاجياته من الماء الصالح للشرب بواسطة تحلية مياه البحر في أفق سنة 2030.

ويعكس هذا الرقم حجم التحول الذي تعرفه السياسة المائية الوطنية، حيث انتقلت التحلية من حل استثنائي لمواجهة الأزمات إلى خيار استراتيجي دائم ضمن رؤية طويلة الأمد للأمن المائي.

أكثر من مجرد مشروع مائي

لا تقتصر أهمية تحلية مياه البحر على بعدها التقني، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية ومجالية واسعة. فاستقرار التزويد بالماء يشكل شرطا أساسيا لجذب الاستثمار، ودعم التنمية الحضرية، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز قدرة المدن على مواجهة آثار التغير المناخي.

ومن هذا المنطلق، فإن استفادة مدن الداخل من المياه المحلاة تمثل مؤشرا على دخول المغرب مرحلة جديدة من تدبير الموارد المائية، تقوم على تنويع المصادر، وربط المجالات الترابية، وترسيخ مبدأ الإنصاف في توزيع الموارد الحيوية.

وفي ظل التوقعات المناخية التي تشير إلى استمرار الضغوط على الموارد المائية التقليدية، يبدو أن تحلية مياه البحر ستتحول خلال السنوات المقبلة من مشروع بنية تحتية إلى أحد الأعمدة الرئيسية للأمن المائي والتنمية المستدامة بالمغرب.

 

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق