بمناسبة اليوم العالمي للبيئة: الطلحي يدعو لتأسيس تنسيقيات لحماية وتثمين غابات طنجة

ECO175 يونيو 2026
بمناسبة اليوم العالمي للبيئة: الطلحي يدعو لتأسيس تنسيقيات لحماية وتثمين غابات طنجة
د. أحمد الطلحي- خبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية

أ- طنجة مدينة غابوية بامتياز:

تعد مدينة طنجة مدينة غابوية بامتياز، إذ تتجاوز مساحة الغطاء الغابوي بها 5300 هكتارا، موزعة على سبع غابات حضرية وشبه حضرية، يمكن تقسيمها إلى ثلاث مناطق جغرافية:

1- الغابات الشرقية: تقع في شرق المدينة وتتكون من غابة السانية وغابة فدان الشابو-المنار-مالاباطا

2- الغابات الغربية: تقع في غرب المدينة وتتكون من غابة الرهراه وغابة رأس سبارطيل-مديونة-الدونابو ومنتزه برديكاريس

3- الغابات الجنوبية: تقع في جنوب المدينة وتتكون من الغابة الدبلوماسية وغابة شراقة

غابات طنجة التي تحتضن المدينة من كل جانب

غابات طنجة التي تحتضن المدينة من كل جانب

كما توجد في عدد من أحياء المدينة فضاءات غابوية صغيرة، عمومية وخاصة. وينبغي التذكير بأن المدينة فقدت مساحات غابوية شاسعة، بسبب التوسع العمراني بنوعيه، القانوني وغير القانوني، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: غابة الشرف التي كانت تمتد الى حدود مسجد السوريين والتي كانت بمثابة حزام أخضر يحمي المدينة من رياح الشرقي القوية خصوصا في فصل الصيف، وغابة الفرنساوي، وغابة بوبانة، وغابة سيدي قاسم التي بني مكانها القطب الحضري ابن بطوطة…

انتشار الغطاء الغابوي في حي السوريين في بداية ثمانينيات القرن 20

ب- أدوار ووظائف الغطاء الغابوي:

والغابات كما هو معلوم تقوم بأدوار مهمة:

– أدوار بيئية: الحفاظ على التنوع البيولوجي، وحماية التربة من التعرية، وحماية الموارد المائية

– أدوار مناخية: فهي تساهم في تقليل الغازات الدفيئة المسؤولة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، فهي بالوعة الكربون الثانية بعد البحار والمحيطات، 20 بالمائة والمحيطات 30 بالمائة

– أدوار سوسيو-اقتصادية: فهي تساهم اقتصاديا بالأنشطة التالية: إنتاج الأخشاب، وإنتاج الحطب، وتربية النحل، والرعي، والقنص، وجمع النباتات الطبية والعطرية، والسياحة القروية والإيكولوجية…

وبالإضافة إلى كل هذه الأدوار تقوم الغابات الحضرية وشبه الحضرية بأدوار إضافية، تتمثل في: الحد من التوسع العمراني، وتحسين المشهد الحضري، والمساهمة في تنقية الهواء، والمساهمة في خفض درجة الحرارة، وتوفير مناطق الاسترخاء والتنزه، وتوفير فضاءات لممارسة الرياضة في الهواء الطلق…

ج- تميز غابات طنجة:

وبالنسبة لغابات طنجة، فهي بالإضافة إلى هذه الوظائف والأدوار، لها دور إيكولوجي كبير، على المستوى العالمي، بحيث تستقبل عددا من الطيور المهاجرة، ذلك لأن مدينة طنجة تعتبر أهم مسار لهجرة الطيور بين القارتين الأوروبية والإفريقية.

مسارات هجرة الطيور من وإلى إفريقيا

مسارات هجرة الطيور من وإلى إفريقيا

كما أن غابات طنجة، لا تصنف فقط ضمن التراث الطبيعي للمدينة وللمغرب عموما، وإنما هي تراث مختلط، طبيعي وثقافي، لكون أغلب هذه الغابات شهدت أحداثا تاريخية، كما يوجد في البعض منها معالم أثرية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الغابة الدبلوماسية ومنتزه برديكاريس:

– الغابة الدبلوماسية:

تاريخيا، كانت الغابة فضاء لممارسة رياضة بيكستيكينغ، وهي رياضة صيد الخنازير البرية على ظهور الخيل بالرماح، التي كانت منتشرة أساسا في الهند، وكانت طنجة أول منطقة خارج الهند التي مورست فيها هذه الرياضة، حيث نظمت أول مباراة في سنة 1862.

رياضة صيد الخنازير بالرماح في الغابة الدبلوماسية (المصدر: الباحث محمد كراش) PigStiking

وكانت هذه اللعبة تمارس فقط من قبل البعثات الدبلوماسية في طنجة وضيوفهم، وهذا ما أدى إلى تحويل الغابة سنة 1866 إلى محمية وأطلق عليها اسم “الغابة الدبلوماسية”. وفي سنة 1872 تم تشكيل لجنة رياضية مكونة من رؤساء البعثات الأجنبية، حيث كانت النواة الأولى لنادي خيمة طنجة الذي تأسس بصفة رسمية سنة 1892 كأول نادي رياضي بالمغرب تحت رئاسة الوزير البريطاني شارل إوان سميت

– منتزه برديكاريس:

كان هذا الفضاء الغابوي في ملكية الثري الأمريكي اليوناني الأصل إيون برديكاريس ثم أصبح في حيازة الباشا الكلاوي (حتى إن الغابة ظلت إلى عهد قريب تسمى غابة الكلاوي) وبعد الاستقلال (في سنة 1958) أصبح في ملكية الدولة.

وللمنتزه قصة مشوقة، مفادها أن هذا الثري اقتنى أرضا بالجبل الكبير وبنى بها قصرا وأحاطه بحدائق وأراضي مشجرة بأنواع مختلفة من الأشجار، وذلك من أجل زوجته المريضة. وبرديكاريس كان في تلك الفترة من أكبر المستثمرين في المدينة، وكان يقطن من قبل في بناية فندق المنزه قبل أن يتحول إلى فندق سياحي. ولقد تعرض لحادث الاختطاف سنة 1904 هو وأحد أفراد أسرته (اختلفت الروايات عمن يكون) من قبل الثائر أحمد الريسوني ولم يتم إطلاق سراحه إلا بعد أداء فدية واستجابة المخزن لبعض شروط الريسوني.

كان لحادثة الاختطاف تداعيات خطيرة، بل ومميزة في تاريخ المغرب، إذ قامت الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة تيودور روزفلت بإرسال ست بوارج حربية مهددة بالهجوم على مدينة طنجة إن لم يتم إطلاق مواطنها برديكاريس. كما أرسلت بريطانيا بارجة حربية، وسارعت كلا من إسبانيا وفرنسا إلى توجيه تهديداتهما إلى المخزن. فكان أن ساهمت الحادثة في إضعاف المخزن، واستعر تنافس القوى الامبريالية على احتلال المغرب، وزاد هذا التنافس زيارة الامبراطور الالماني لطنجة سنة 1905، وتم التوصل إلى اتفاق بين القوى الامبريالية في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906.

وفي سنة 1975 أنتج الأمريكيون فيلما سينمائيا بعنوان “الأسد والريح” عن قصة الاختطاف، من إخراج الأمريكي جون مليوس. ويعاب على الفيلم تزييفه لبعض الحقائق التاريخية.

د- معاناة غابات طنجة وكيفية حمايتها وتثمينها:

تتعرض الغابات الحضرية وشبه الحضرية في طنجة لضغوط متعددة: التوسع العمراني بنوعيه القانوني والعشوائي، وتشييد البنيات التحتية على حسابها، وقطع الأشجار، والحرائق التي يسببها السكان، ورمي النفايات المنزلية ومخلفات البناء، والنزاعات العقارية مع مستغليها والقاطنين بها…

ولقد أصبحت هذه المشاكل مع الوقت خارجة عن السيطرة، مما يهدد بتقويض التوازن البيئي والحلول دون استدامة النظم البيئية للغابات.

إن المحافظة على الغابات الحضرية بطنجة أصبح مطلبا ضروريا ومستعجلا، خصوصا وأنها مدينة غابوية بامتياز، فهي المدينة المغربية الكبيرة الوحيدة التي بها غابات في النسيج الحضري بنسبة كبيرة وتحيطها من جميع الاتجاهات تقريبًا.

وللحفاظ على هذا التراث الطبيعي الهام يلزم القيام بالإجراءات والأنشطة التالية:

– وضع سياسة محلية للمحافظة على غابات طنجة

– القيام بحملات تحسيسية وتوعوية مستمرة لفائدة سكان المدينة وزوارها وبمختلف الوسائل، للتعريف أولا بالمؤهلات التي تزخر بها غابات المدينة وبالأدوار الهامة التي تقوم بها، وثانيا لتمكين الجميع من الممارسات الجيدة لاستغلال المجال الغابوي

– تشجيع المبادرات والمشاريع التي تستهدف الحفاظ على غابات المدينة وتثمينها

– تطوير وسائل الإنذار والكشف المبكر عن تدهور المجال الغابوي

– تشديد الحراسة والمراقبة وتطوير وتحسين وسائلها

– إشراك المجتمع المدني والسكان القريبين من الغابات والمؤسسات التعليمية والإعلامية في مختلف عمليات حماية وتثمين المجال الغابوي

وفي السنوات الأخيرة، تم تحويل نسبة من أراضي أربع غابات حضرية إلى منتزهات، يتعلق الأمر بغابات: بيرديكاريس والرهراه ومديونة والغابة الدبلوماسية. لكن الملاحظ أن هذه المنتزهات تتعرض لضغط كبير يتمثل في كثرة الزوار واستمرار بعض السلوكيات غير الإيكولوجية من قبل نسبة كبيرة من الزوار، مثل: الضجيج ورمي النفايات واستعمال النار. كما أن هناك ملاحظات أصلا على طرق وأساليب التهيئة التي تكاد تقترب من تهيئة الحدائق العمومية، إذ أن تهيئة المنتزهات ينبغي أن تسعى ما أمكن على الحفاظ على المؤهلات الطبيعية.

ه- دعوة لتأسيس تنسيقيات لحماية وتثمين غابات طنجة:

وبمناسبة اليوم العالمي للبيئة الذي يصادف 5 يونيو من كل عام، ومن أجل استمرار اليقظة في حماية غابات المدينة، وتفعيلا للمقاربة التشاركية، أقترح تأسيس تنسيقيات لحماية وتثمين غابات طنجة من قبل هيئات المجتمع المدني، مع الاستفادة من التجربة التاريخية لتنسيقية “السلوقية أولا”، وذلك بمعدل تنسيقية لكل منطقة غابوية من المناطق الثلاث: الشرقية والغربية والجنوبية. على أن تكون هذه التنسيقيات شريكا ومعاونا للسلطات العمومية في تفعيل الإجراءات والمشاريع والأنشطة الهادفة لحماية وتثمين الغطاء الغابوي للمدينة، وليس جبهات لمعارضة هذه الهيئات. وفي المقابل، يجب على هذه الأخيرة أن تقبل بأدوار هذه التنسيقيات وتسهل عملها.

إن الظرفية الحالية أصبحت ملائمة لتأسيس هذه التنسيقيات، خصوصا وأن جميع تصاميم التهيئة تضمنت مقتضيات في اتجاه المحافظة على هذا التراث الطبيعي، على أن الحماية القانونية له تبقى ناقصة من دون تصنيفه ضمن المحميات الطبيعية وفق قانون 22.07 المتعلق بالمناطق المحمية.

………..

ملحوظة: للمزيد من المعلومات يمكن الرجوع إلى كتبي التي لها علاقة بالموضوع، خصوصا الكتب التالية:

– التراث المعماري لطنجة

– التراث الطبيعي لطنجة

– السلوقية أولا

– قصتي مع التراث

ولتسهيل الحصول على هذه الكتب يمكنكم تنزيلها من الرابط التالي:

https://drive.google.com/drive/folders/11QNPaLRJcGkozT_6MlvSNjmeM3jz2edq?usp=sharing

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق