تتوغل جرافات النفط في عمق الأمازون الإكوادوري، لا باحثة عن ثروات الأرض فقط، بل عن فراغ في السيادة لتملأه بقوانينها الخاصة. فعلى امتداد ثلاثين سنة، لم تكتف شركات التنقيب بامتصاص خيرات الأرض، بل أعادت رسم ملامح المجتمعات الأصلية، وشرعت لواقع جديد تحل فيه مكان الدولة، مستبدلة المؤسسات الرسمية بوعود عابرة، ورايات السيادة بحقائب مدرسية تحمل شعاراتها.
ففي موقع القطاع 10، أحد أهم مناطق الامتياز النفطي في قلب الأمازون، يتجسد هذا الواقع بوضوح، حيث ترزح مجتمعات الكيتشوا بين مطرقة العزلة وسندان الشركات. هناك، لم تعد خدمات التعليم والرعاية الصحية من اختصاص الدولة، بل منحة مشروطة من شركات النفط، وعلى رأسها “بلس بترول” الأرجنتينية التي ورثت إرثا من التوترات والانقسامات بدأته شركات أمريكية وإيطالية منذ نهاية الثمانينيات.
تبدأ الحكاية من نهر فيلانو، حيث تبحر روزا أراندا، قائدة مجتمع موريتيكوتشا، لتتفقد مدى التزام شركة بلس بترول باتفاقياتها مع السكان. لكنها في كل محطة، لا تجد سوى الشكوى والخذلان. فالمجتمعات إما منقسمة بسبب صراعات داخلية غذتها الشركات، أو محرومة من أبسط الحقوق بسبب تمييز غير معلن في التوظيف وتوزيع الخدمات.
تقول أراندا إن المشكل لم يكن فقط في تقاعس الحكومة، بل في تحول الشركات إلى سلطات فعلية تدير تفاصيل الحياة اليومية: تعين المعلمين، توزع اللوازم المدرسية، وتنتقي من يشتغل ومن يقصى، فتنتج بذلك “نخبة” ولاؤها للشركة وليس للجماعة.
وقد وثقت بوابة مونغباي Mongabay هذه الانتهاكات في تحقيق عابر للحدود، جمع شهادات قادة مجتمعات، وناشطين، وعائلات تفككت بفعل الإغراءات أو الإقصاء.
وفي خلفية هذا المشهد، تسجل الإكوادور أحد أعلى نسب الأراضي الأصلية المتداخلة مع كتل التنقيب النفطي في أمريكا اللاتينية. ورغم احتجاجات عديدة واتفاقيات سابقة مثل “اتفاق ساراياكو”، لا تزال آليات الموافقة الحرة والمسبقة غائبة في الواقع، حسب ما أكدته المحامية فيرونيكا بوتيس، مشيرة إلى أن الاستشارة المجتمعية لا تطبق إلا في النصوص.
وتظهر الأرقام أن 1584 تسربا نفطيا حدث بين 2012 و2022، ومع ذلك، اختارت الحكومات المتعاقبة، من لاسو إلى نوبوا، توسيع جغرافيا الاستخراج بدل تقييم الضرر، بل وتخطط شركة بلس بترول الآن لفتح حقل جديد في نفس الكتلة، رغم ما كشفه تقييم الأثر البيئي من مخاطر محتملة على البيئة والعلاقات الاجتماعية.
من فصول التحقيق أيضا، ما تكشفه السجلات من تهميش واضح للنشطاء، حيث تم استبعاد روزا أراندا من قائمة المرشحين للعمل مع الشركات، بعد احتجاجها رفقة شقيقتها على التوسع النفطي في سنة 2018. كما توثق القصة تحويل التعليم والرعاية الصحية إلى أدوات للضغط، بدل أن تكونا حقا مضمونا.
تختزل مأساة الأمازون الإكوادوري في معادلة قاسية؛ فكلما غابت الدولة، حضرت الشركات؛ وكلما ارتفع ثمن النفط، انخفضت كرامة المجتمعات الأصلية. وبينما يخطط لمزيد من الآبار، تتساءل روزا أراندا وآلاف السكان، ما الذي سيبقى حين ينضب النفط؟ أستكون الغابة ما زالت قادرة على الحياة، أم نكون قد فقدناها باسم التنمية؟





















عذراً التعليقات مغلقة