يثير ظهور نحلة صغيرة بالقرب من مائدة الطعام أو كوب عصير حالة من القلق لدى كثير من الناس، فيسارع البعض إلى الابتعاد أو التلويح بأيديهم خوفا من لسعة مفاجئة. ويعود هذا الخوف غالبا إلى الصورة السلبية المرتبطة بالنحل باعتباره حشرة مؤذية، رغم أن الحقيقة مختلفة تماما. فالنحل لا يهاجم الإنسان من تلقاء نفسه، بل يتحرك بدافع البحث عن الغذاء أو الدفاع عن الخلية عندما يشعر بالخطر. ولو أدرك الناس حجم الدور الذي يؤديه هذا الكائن الصغير في حياتنا اليومية، لتغيرت نظرتهم إليه بشكل كبير.
ويشكل النحل أحد أهم المُلَقِّلحات في العالم، إذ تعتمد أكثر من 75% من المحاصيل الغذائية العالمية، بشكل كلي أو جزئي، على التلقيح الذي تقوم به الملقحات مثل النحل والفراشات والطيور والخفافيش. كما أن نحو 35% من حجم الإنتاج الزراعي العالمي يرتبط بشكل مباشر بوجود هذه الملقّحات، وهو ما يجعل اختفاءها تهديدا حقيقيا للأمن الغذائي العالمي. وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن حماية الملقّحات أصبحت ضرورة لضمان استمرار التنوع البيولوجي وتوفير الغذاء للبشر.
وتساعد الملقحات أيضا على الحفاظ على التوازن البيئي، لأن حوالي 90% من النباتات المزهرة في العالم تعتمد على التلقيح من أجل التكاثر والاستمرار. ويعني ذلك أن دور النحل لا يقتصر على إنتاج العسل أو تلقيح بعض الأشجار، بل يشمل حماية النظم البيئية التي تعيش فيها أنواع كثيرة من الحيوانات والطيور والكائنات الأخرى.
ويكشف تقرير الفاو أن العالم يضم أكثر من 20 ألف نوع من النحل، غير أن 7 أنواع فقط تنتج العسل المعروف تجاريا. أما نحل العسل الغربي وحده فينتج ما يقارب 1.6 مليون طن من العسل سنويا. كما يمكن لنحلة واحدة زيارة نحو 7 آلاف زهرة في اليوم، بينما يتطلب إنتاج كيلوغرام واحد من العسل ملايين الزيارات للأزهار، وهو ما يعكس حجم العمل الذي تقوم به هذه الحشرة الصغيرة بشكل يومي.
ويواجه النحل، في السنوات الأخيرة، مخاطر متزايدة بسبب التغيرات المناخية والتوسع العمراني والاستعمال المفرط للمبيدات الكيميائية، وهو ما تسبب في تراجع أعداد الملقحات في عدة مناطق من العالم. وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن نحو 35% من الملقحات اللافقارية، خاصة النحل والفراشات، أصبحت مهددة بالانقراض، إضافة إلى حوالي 17% من الملقحات الفقارية مثل بعض أنواع الخفافيش.
ويمكن لكل فرد أن يساهم في حماية النحل بطرق بسيطة، مثل زراعة الأزهار والنباتات المحلية، والتقليل من استخدام المبيدات، والمحافظة على المساحات الخضراء، ودعم منتجات تربية النحل المحلية. كما يظل نشر الوعي بأهمية الملقحات خطوة أساسية لتغيير الصورة النمطية المرتبطة بالنحل.
ويستحق هذا الكائن الصغير، الذي يعمل بصمت بعيدا عن الأنظار، قدرا أكبر من التقدير، لأنه لا ينتج العسل فقط، بل يساهم يوميا في استمرار الحياة الطبيعية وتوفير الغذاء للبشر في مختلف أنحاء العالم.






















عذراً التعليقات مغلقة