يواصل المغرب تعزيز مكانته في مجال الصيد البحري والصناعات الغذائية المرتبطة بالبحر، بعدما أكد وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، أمس داخل قبة البرلمان، أن المملكة تعد اليوم أول مصدر عالمي للسردين المصنع. ولا يمثل هذا التصنيف مجرد رقم اقتصادي، بل يعكس أهمية قطاع واسع يربط بين الصيد، والموانئ، والمصانع، والتصدير، وفرص الشغل.
ويحتل السردين مكانة خاصة في الاقتصاد البحري المغربي، لأنه من أكثر الأسماك انتشارا في السواحل الأطلسية للمملكة، كما يعد من المواد الغذائية الأساسية في السوق الوطنية. غير أن قوة المغرب لا تكمن فقط في صيد السردين، بل في تحويله إلى منتج مصنع، خاصة عبر التعليب والتجميد والتوضيب، ثم توجيهه نحو الأسواق الخارجية.
وتفيد معطيات سبق الإعلان عنها خلال معرض أليوتيس بأن المغرب كان سنة 2022 أول مصدر عالمي للسردين المعلب، بحجم بلغ 152 ألفا و137 طنا، وبقيمة قاربت 5.9 مليارات درهم. وتبين هذه الأرقام أن السردين المغربي لم يعد مجرد منتج غذائي شعبي، بل أصبح أيضا سلعة استراتيجية ضمن صادرات الصناعات الغذائية البحرية.
وتفسر هذه المكانة بعدة عوامل، من بينها توفر المغرب على واجهة بحرية مهمة، خصوصا على المحيط الأطلسي، إضافة إلى تراكم خبرة طويلة في مجال تصبير السمك وتحويله. فقد تطورت، عبر السنوات، وحدات صناعية متخصصة في التعليب، والتجميد، والتغليف، والتصدير، وهو ما ساعد على خلق قيمة مضافة أكبر مقارنة بتصدير السمك في صورته الخام.
كما تلعب هذه السلسلة الإنتاجية دورا اجتماعيا مهما، لأنها توفر فرص عمل لفئات متعددة، من الصيادين والبحارة، إلى العاملين في النقل والتخزين، ثم العمال داخل مصانع التصبير، إضافة إلى شركات التغليف واللوجستيك والتصدير. ولذلك، فإن السردين لا يمثل فقط موردا بحريا، بل يشكل رافعة اقتصادية واجتماعية في عدد من المدن الساحلية المغربية.
لكن هذا النجاح يفرض في المقابل قدرا كبيرا من الحذر، فالسردين مورد طبيعي حي، وليس مخزونا غير محدود، من الممكن أن يتأثر بعدة عوامل، من بينها ضغط الصيد، وتغير درجات حرارة المياه، والتحولات المناخية، وفترات الراحة البيولوجية، وارتفاع الطلب الداخلي والخارجي.
ولهذا السبب، اتجهت السلطات هاته السنة، إلى اتخاذ إجراءات مرتبطة بتصدير بعض أنواع السردين، خاصة السردين الطازج أو المبرد أو المجمد. وتهدف هذه الإجراءات، إلى حماية تزويد السوق الوطنية، والحد من الضغط على الأسعار، وضمان توفر هذه المادة للمستهلك المغربي.
وتظهر هذه الخطوة أن التحدي لم يعد يقتصر على زيادة الإنتاج والتصدير، بل أصبح مرتبطا بإيجاد توازن دقيق بين ثلاث أولويات: دعم المقاولات المصدرة، وضمان الأمن الغذائي الوطني، وحماية الثروة السمكية حتى تبقى متوفرة للأجيال المقبلة.
ومن هنا، يقدم السردين المغربي مثالا واضحا على أهمية تحويل الثروة الطبيعية إلى صناعة ذات قيمة مضافة. فقد نجح المغرب في بناء قطاع قوي حول هذا المنتج، غير أن الحفاظ على هذه الريادة يتطلب تدبيرا مسؤولا للمخزون السمكي، وتحديثا مستمرا للموانئ ووحدات التصنيع، ومراقبة أفضل للأسعار، وتشجيعا أكبر للتصنيع ذي الجودة العالية.
إن تصدر المغرب لصادرات السردين المصنع عالميا يعد إنجازا اقتصاديا وصناعيا مهما، لأنه يبرز قدرة البلاد على تحويل منتج بحري بسيط إلى صناعة موجهة للأسواق الدولية. غير أن هذا النجاح لن يستمر إلا إذا رافقته سياسة متوازنة تجمع بين التصدير، وحماية السوق الداخلية، وضمان استدامة الموارد البحرية.





















عذراً التعليقات مغلقة