المكاك البربري بالمغرب.. نوع مهدد وسلوك سياحي يربك حياته البرية

ECO1718 مايو 2026

المكاك البربري بالمغرب.. نوع مهدد وسلوك سياحي يربك حياته البرية
خديجة مبتسم

في غابات الأطلس والريف، يعيش قرد المكاك البربري، أو Macaca sylvanus، باعتباره القرد الوحيد الذي يعيش طبيعيا شمال الصحراء الكبرى. ورغم حضوره المألوف في بعض المواقع السياحية، فإن هذا الحيوان ليس جزءا من الفرجة العابرة، بل عنصر أساسي في توازن الغابة المغربية.

تصنفه القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ضمن الأنواع المهددة بالانقراض، كما يرد في الملحق الأول لاتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهددة، وهو أعلى مستوى من الحماية ضد التجارة الدولية. وتشير المعطيات الحديثة إلى أن أعداده البرية تراجعت بقوة خلال العقود الماضية، بفعل تدهور الموائل، والاتجار غير المشروع، والضغط البشري داخل الغابات.

وتبرز دراسة منشورة سنة 2025 في مجلة Biological Conservation أن إدراج المكاك البربري في الملحق الأول لاتفاقية CITES سنة 2017 ساعد، إلى جانب برامج التوعية المحلية، على تقليص المصادرات وطلبات الإيواء المرتبطة بالاتجار غير المشروع بين 2006 و2022. غير أن الدراسة تنبه إلى أن السوق غير القانونية لم تختف تماما، بل تحولت في بعض الحالات إلى أشكال أكثر انتهازية وصعوبة في الرصد.

أما في المغرب، فيتركز وجود المكاك البربري أساسا في الأطلس المتوسط، مع حضور في الريف والأطلس الكبير. ويعيش داخل منظومات غابوية متنوعة، خاصة غابات الأرز والبلوط، حيث يتغذى طبيعيا على الثمار البرية، البذور، الأوراق، الجذور، الحشرات، وبعض الموارد النباتية الموسمية. هذا النظام الغذائي ليس تفصيلا بيولوجيا، بل جزء من تكيف طويل مع بيئة جبلية قاسية ومتغيرة.

غير أن أخطر ما يهدد هذا التوازن اليوم لا يأتي فقط من قطع الغابات أو الصيد غير القانوني، بل أيضا من سلوك يبدو بسيطا: إطعام القردة في المواقع السياحية. فقد بينت دراسة ميدانية أجريت في المنتزه الوطني لإفران، ونشرت في مجلة PLOS ONE سنة 2016، أن إطعام السياح للمكاك البربري يرتبط بآثار سلبية على صحته، منها ارتفاع مستويات التوتر الفيزيولوجي، وتغير حجم الجسم، وظهور تساقط في الشعر لدى بعض الأفراد.

وتوضح الدراسة نفسها أن مجموعة من القردة في موقع سياحي كانت تقضي نسبة مهمة من نشاطها الغذائي في تناول أطعمة يقدمها البشر، بينما اعتمدت مجموعة أخرى قريبة على الغذاء الطبيعي. وكانت النتيجة أن الاعتماد على الطعام البشري لا يجعل الحيوان “أكثر سعادة”، بل يغير سلوكه ويزيد ارتباطه بالبشر ويعرضه لمخاطر صحية وسلوكية.

ولا يقف الضرر عند الحيوان وحده. فالمكاك البربري يساهم في نشر البذور وتجديد الغطاء النباتي، كما يعد مؤشرا على صحة الغابة. وعندما يتغير سلوكه الغذائي، يتأثر دوره داخل النظام البيئي، وتزداد احتمالات الاحتكاك بين الإنسان والحيوان، خاصة عندما يعتاد القرد على انتظار الطعام قرب الطرق والمواقع السياحية.

لذلك، فإن حماية المكاك البربري في المغرب لا تعني فقط منع الاتجار به أو الحفاظ على الغابات، بل تعني أيضا تغيير علاقة الزائر بالحيوان البري. فعدم إطعامه، وعدم ترك بقايا الطعام، وعدم الاقتراب منه لالتقاط الصور، كلها أفعال بسيطة لكنها أكثر نفعا من أي قطعة حلوى تقدم له بحسن نية.

إن أفضل هدية يمكن أن يقدمها الإنسان للمكاك البربري ليست الطعام، بل المسافة الآمنة. أن نتركه يبحث عن غذائه، يربي صغاره، ويتحرك داخل غابته كما تقتضي طبيعته. فبقاء هذا النوع في جبال المغرب ليس مسؤولية علمية فقط، بل اختبار حقيقي لطريقة تعاملنا مع الحياة البرية.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق