المغرب أمام أزمة مائية.. تحديات الواقع ورهانات المستقبل
صدر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة تقرير حديث حول وضعية الموارد المائية في المغرب، تحت عنوان “الماء في المغرب: إرث الماضي، أزمات الحاضر، وفرص المستقبل الرقمي والمستدام”، حيث استعرض التقرير التطورات التاريخية للإدارة المائية، وحلل التحديات الراهنة، واقترح حلولا قائمة على التكنولوجيا والحوكمة الرشيدة.
ذكر التقرير اعتماد المغرب تاريخيا على الخطارات والسواقي لضمان توزيع المياه واستدامة النشاط الزراعي، مما مكن الساكنة من التكيف مع الظروف المناخية المتقلبة، و مساهمة هذه الأنظمة في تلبية الحاجيات المائية لعقود طويلة، لكنها لم تعد كافية لمواجهة الضغوط الديموغرافية والمناخية المتزايدة، مما يستدعي تحديث وتطوير البنيات التحتية المائية بأساليب أكثر كفاءة.
وأشارت الوثيقة إلى تراجع نصيب الفرد السنوي من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب، مما جعل المغرب يصنف ضمن البلدان التي تعاني من إجهاد مائي حاد، وتراجع معدل التساقطات المطرية بنسبة 10-20%، يقابله ارتفاع كبير في درجات الحرارة وزيادة معدل التبخر، مما أدى إلى تدهور المخزون المائي.
شهد القطاع الفلاحي استهلاكا مكثفا للموارد المائية، حيث يستحوذ على 80% من المياه المتاحة، في ظل توجه متزايد نحو الزراعات المستنزفة للمياه. وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة إعادة تدوير المياه العادمة 7%، ما يعكس ضعف استغلال الموارد البديلة.
وأفاد التقرير بأن ضعف الحوكمة المائية عرقل جهود تحسين إدارة الموارد المائية، حيث تسبب التداخل بين الجهات الحكومية في تأخير اتخاذ قرارات فعالة، بينما ظل غياب سياسات تسعير عادلة أحد العوامل التي ساهمت في استمرار الهدر وسوء التدبير.
اقترح التقرير الحلول الممكنة نحو استدامة الموارد المائية، حيث فرضت التحديات المائية ضرورة إصلاحات هيكلية، تشمل إحداث هيئة وطنية مستقلة للإشراف على قطاع المياه، وإدماج السياسات المائية في التخطيط الزراعي والصناعي، مع إعادة النظر في نظام التسعير لتحفيز الاستخدام الرشيد.
ووفرت التكنولوجيا والتحول الرقمي آفاقا جديدة لتحسين إدارة المياه، حيث يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء لمراقبة الشبكات والحد من التسربات، وتوظيف الطائرات المسيّرة لمتابعة رطوبة التربة وتعزيز كفاءة الري، إضافة إلى الاستثمار في تحلية المياه باستخدام الطاقة المتجددة.
عززت مقاربة الاقتصاد الدائري فرص ترشيد الاستهلاك، من خلال توسيع مشاريع إعادة استخدام المياه العادمة في الري والصناعة، وفرض معايير إلزامية لاستخدام المياه المعالجة في القطاعات السياحية والصناعية.
ولعب التمويل والشراكات دورا محوريا في إنجاح هذه الاستراتيجيات، حيث اقترح التقرير إطلاق صندوق وطني للأمن المائي بتمويل من الضرائب والسندات الخضراء، مع تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص في مشاريع معالجة وتحلية المياه.
من جهة أخرى، أكدت الوثيقة على أن نجاح الجهود الإصلاحية يتطلب إشراك المواطنين في عملية الحفاظ على الموارد المائية، عبر إطلاق تطبيقات رقمية لمراقبة استهلاك الأسر، وتقديم حوافز مالية للمستهلكين الذين يقلصون استهلاكهم، إلى جانب تنظيم حملات توعوية لتعزيز ثقافة الترشيد والاستهلاك المستدام.
وأكد التقرير على أن ضمان الأمن المائي في المغرب يستدعي مقاربة شاملة تجمع بين الإصلاحات القانونية، والتكنولوجيا المتقدمة، والاستراتيجيات التقليدية، والتعاون الدولي، حيث يظل تحقيق هذا الهدف رهينا بتنفيذ سياسات متكاملة تعزز الحوكمة الرشيدة وتوظف الحلول المبتكرة لمواجهة تحديات ندرة المياه، بما يضمن مستقبلا مائيا أكثر أمانا واستدامة.





















