وفاة العاملة المغربية في إسبانيا.. هل تفرض موجات الحر مراجعة شروط العمل الموسمي؟

ECO1728 يونيو 2026
وفاة العاملة المغربية في إسبانيا.. هل تفرض موجات الحر مراجعة شروط العمل الموسمي؟
ابراهيم بوكيوض

لم تكن وفاة عاملة زراعية مغربية موسمية بإقليم ويلبا الإسباني مجرد حادث مأساوي أثار تعاطف الرأي العام، بل أعادت إلى الواجهة أسئلة أعمق حول قدرة القطاع الفلاحي على حماية العاملين في ظل موجات حر أصبحت أكثر تواترا وشدة بفعل تغير المناخ.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن العاملة كانت تشتغل في إحدى الضيعات الفلاحية ضمن برنامج الهجرة الدائرية بين المغرب وإسبانيا، قبل أن تفارق الحياة في ظروف ما تزال تخضع لتحقيق السلطات الإسبانية. وإلى حدود إعداد هذا المقال، لم تصدر أي جهة قضائية أو صحية إسبانية تقريرا نهائيا يحدد السبب الرسمي للوفاة، ما يجعل من غير المهني الجزم بأنها ناجمة عن ضربة شمس، رغم تداول هذا الاحتمال في بعض التصريحات النقابية ووسائل الإعلام.

حادثة فردية وسؤال جماعي

بعيدا عن نتائج التحقيق، تطرح الواقعة سؤالا أكبر: هل أصبحت ظروف العمل في الحقول الزراعية قادرة على مواكبة التحولات المناخية التي تشهدها منطقة البحر الأبيض المتوسط؟

لقد سجل جنوب إسبانيا، وخاصة إقليم الأندلس، خلال الأيام الأخيرة درجات حرارة مرتفعة تجاوزت في بعض المناطق 40 درجة مئوية، في وقت حذرت فيه الوكالة الإسبانية للأرصاد الجوية من مخاطر الإجهاد الحراري بالنسبة للعاملين في الأنشطة الخارجية، وعلى رأسها الفلاحة.

ولم يعد الخبراء ينظرون إلى موجات الحر باعتبارها ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبحت إحدى أبرز نتائج تغير المناخ، بما تفرضه من تحديات جديدة على قطاعات الإنتاج والغذاء وسوق الشغل.

العمل اللائق في مواجهة المناخ المتغير

يبرز هذا الواقع الحاجة إلى إعادة تقييم إجراءات السلامة المهنية داخل الضيعات الزراعية، خاصة خلال فترات الحر الشديد.

وتوصي منظمة العمل الدولية، إلى جانب منظمات الصحة المهنية، باتخاذ تدابير وقائية تشمل تعديل ساعات العمل، وتوفير فترات راحة منتظمة في أماكن مظللة، وضمان الولوج المستمر إلى مياه الشرب، والتكوين على التعرف المبكر إلى أعراض الإجهاد الحراري.

ولا يتعلق الأمر بإجراءات تنظيمية فقط، بل بمقتضيات ترتبط مباشرة بالهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة: العمل اللائق والنمو الاقتصادي، الذي يؤكد أن التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن توفير بيئة عمل آمنة تحفظ صحة العمال وكرامتهم.

وفي الوقت نفسه، يبرز الهدف الثالث عشر: العمل المناخي، لأن التكيف مع آثار تغير المناخ لم يعد يقتصر على حماية البيئة، بل أصبح يشمل أيضا حماية الإنسان داخل أماكن العمل، خصوصا في القطاعات الأكثر تعرضا للظروف المناخية القاسية.

الهجرة الدائرية… تجربة ناجحة تحتاج إلى تطوير

على امتداد أكثر من عقدين، شكل برنامج الهجرة الدائرية بين المغرب وإسبانيا أحد أبرز نماذج التعاون الثنائي في مجال التشغيل الموسمي، إذ وفر فرص عمل لآلاف المغربيات، وساهم في تلبية احتياجات القطاع الفلاحي الإسباني من اليد العاملة.

وخلال الأيام الماضية، أكد مسؤولون مغاربة وإسبان، خلال لقاء رسمي بمدينة ويلبا، أهمية هذا النموذج باعتباره شراكة تحقق منافع متبادلة للطرفين، مع الدعوة إلى مواصلة تطويره وتعزيز آليات إعادة الإدماج الاقتصادي للعاملات بعد عودتهن إلى المغرب.

غير أن استدامة هذا النموذج لا تقاس بعدد العقود المبرمة أو بحجم الإنتاج الزراعي فقط، وإنما أيضا بقدرته على مواكبة المخاطر الجديدة التي يفرضها تغير المناخ، وضمان أعلى مستويات الوقاية والسلامة المهنية.

بين الاقتصاد والمناخ

تكشف هذه الواقعة أن التغيرات المناخية لم تعد قضية بيئية منفصلة عن الاقتصاد أو سوق الشغل، بل أصبحت عاملا مؤثرا في إنتاج الغذاء، وفي صحة العمال، وفي استمرارية سلاسل التوريد الزراعي.

ومن ثم، فإن الاستثمار في إجراءات الوقاية والتكيف مع موجات الحر لم يعد مجرد التزام قانوني أو إنساني، بل أصبح استثمارا في استدامة الإنتاج الفلاحي نفسه، وفي حماية أحد أهم الموارد التي يقوم عليها هذا القطاع: العنصر البشري.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق