الغابات الاستوائية الجافة تواجه خطر الانقراض خلال العقود المقبلة

ECO1729 يونيو 2025

الغابات الاستوائية الجافة تواجه خطر الانقراض خلال العقود المقبلة
إيمان بنسعيد

حماية الطبيعة ليست ترفا قانونيا، بل واجب دولي لا يسقط بالتقادم

تواجه الغابات الاستوائية الجافة اليوم تدهورا مقلقا يكشف محدودية الإطار القانوني البيئي في التصدي للأزمات المناخية المتفاقمة. فرغم ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية من التزامات صريحة لحماية التنوع البيولوجي وضمان استدامة الموارد الطبيعية، تبقى هذه الغابات خارج نطاق الأولوية التشريعية والمؤسساتية. ويطرح هذا الوضع سؤالا محوريا حول مدى فعالية الأدوات القانونية في حماية النظم البيئية الهشة، خاصة في ظل تنامي الضغوط المناخية والاقتصادية. في هذا السياق، يمثل مصير الغابات الاستوائية الجافة اختبارا حاسما لمدى قدرة القانون البيئي الدولي والوطني على التكيف مع متغيرات الواقع البيئي المتسارع.

الغابات تختفي

تشهد الغابات الاستوائية الجافة تراجعا مقلقا في مساحاتها وتنوعها البيولوجي، وسط تهديدات متعددة تأتي من الزحف الزراعي، وتغير المناخ، وغياب الحماية الفعالة. ورغم كونها تدعم حياة مئات الملايين من البشر، وتضم أنواعا فريدة من الكائنات، إلا أن معظمها مهدد بالاختفاء خلال 50 سنة فقط إن لم يتم التدخل العاجل.

تتآكل الغابات الاستوائية الجافة بوتيرة غير مسبوقة؛ فقد كشفت دراسة نشرتها مجلة نيتشر سستينابيليتي سنة 2022 أن أكثر من 71 مليون هكتار من هذه الغابات دُمر خلال 20 سنة فقط، بين 2000 و2020. هذه المساحة تعادل مرتين مساحة ألمانيا. وتشير التقديرات إلى أن ما تبقى منها في بعض المناطق لا يتجاوز 5 بالمئة من مساحتها الأصلية، كما هو الحال في بعض مناطق الهند وإفريقيا وجنوب شرق آسيا.

يفضل الإنسان الاستيطان في هذه النظم البيئية بسبب مناخها المعتدل، وندرة الأمراض فيها، وسهولة الوصول إليها، ما جعلها عرضة لتحويل مكثف إلى زراعات ومراع وبنية تحتية. وتعد مناطق غران تشاكو في الأرجنتين وباراغواي وبوليفيا، وكذلك سهل سيرادو في البرازيل، من بين أكبر بؤر اجتثاث الغابات الجافة في العالم، بحيث لا تتجاوز نسبة الغابات الجافة الواقعة ضمن محميات رسمية ثلث المساحة الإجمالية المتبقية، بينما تقع ثلث الغابات المتبقية في مناطق تُعرف بكونها حدود إزالة الغابات حيث يستمر التدمير بسرعة. وتشير الدراسة إلى أن أكثر من نصف هذه المناطق الحدودية موجودة في إفريقيا.

المناخ يقلب قواعد الطبيعة

تؤدي التغيرات المناخية إلى قلب التوازنات البيئية التي تعتمد عليها الغابات الجافة منذ آلاف السنين. ففي كوستاريكا، ارتفع عدد الأيام التي تتجاوز درجات الحرارة فيها 32 درجة مئوية من 116 يوما في الستينات إلى 193 يوما حاليا. كما ازداد طول موسم الجفاف من 4 إلى 6 أشهر.

يدفع ارتفاع الحرارة بالكائنات الحية إلى حدودها البيولوجية، فالعديد من الزواحف والحشرات والثدييات الصغيرة تمتلك هوامش ضيقة لتحمل الحرارة، ما يدفعها إلى الاختباء خلال النهار وتقليل نشاطها، مما يؤثر على التغذية والتكاثر. وفي حالة السلاحف، يؤدي تغير درجة حرارة الرمال إلى اختلال نسب الذكور والإناث، وهو أمر قد يقود إلى انقراضات محلية وجماعية.

كما أن الآثار ليست سطحية فحسب، بل تشير التقارير إلى أن ارتفاع الحرارة يؤدي إلى صعود الغيوم في الجبال، مما يقلل من تشكل غابات السحب التي تمثل ملاذا للكائنات أثناء موسم الجفاف، حيث أصبحت الغيوم في غواناكاستي تتشكل على ارتفاعات أعلى بـ 100 إلى 500 متر مقارنة بالسابق، ما يحرم الأنواع من الثلاجات الطبيعية التي كانت تعتمد عليها.

تشير ويني هالواكس، الباحثة البيئية، إلى أن إهمال الإشارات البيئية مثل توقيت أول الأمطار، أصبح يشوش على الحشرات والنباتات، ويخل بالتكاثر الموسمي. ومن أمثلة ذلك، أن بعض العث الذي كان يظهر في بدايات موسم الأمطار، بات يُنخدع بالأمطار المبكرة في سبتمبر، مما يجعل يرقاته فريسة للضواري والأمراض، ويؤدي في النهاية إلى تراجع عدد البالغين. وقد أدى ذلك إلى انقراض محلي لأحد أنواع الدبابير التي كانت تعتمد على هذه اليرقات في غذائها.

الجهود تنطلق والأمل ضعيف

تعتبر بعض المشاريع الميدانية نماذج واعدة، مثل منطقة غواناكاستي في كوستاريكا، حيث جرى ربط عشرات الشظايا من الغابات عبر شراء أراضٍ زراعية وإعادة توصيلها، لتصبح مساحة مستمرة من الغابات المتجددة تمتد على 700 كيلومتر مربع. ويقول دان يانزن إن هذا الربط سمح بتعافي الغطاء النباتي، وعودة التنوع البيولوجي بالتدريج، بينما في المكسيك، أسس فريق العالم جيراردو سيبايوس، الباحث الأول في معهد البيئة بالجامعة الوطنية المستقلة، محمية كالاكمول الحيوية، وهي إحدى أكبر المحميات في العالم الاستوائي الجاف، وتحتضن حاليا أكثر من 500 جاكوار، إضافة إلى التابير والأنواع المتوطنة المهددة. كما يجرب الفريق برامج إدارة نشطة، مثل تزويد الكلاب البرية بالطعام، واستخدام الري الاصطناعي في الفترات الحرجة.

لكن سيبايوس، الخبير البيئي المكسيكي، يؤكد أن الأمل ليس مضمونا، ويقول: “ما لم نمنح هذه الغابات أراض جديدة تتوسع فيها، وما لم نتدخل الآن، فإن ما سيبقى بعد 50 سنة هو مجرد شظايا لا تعكس ما كانت عليه هذه الأنظمة البيئية”، مضيفا بأن بعض المناطق قد تتحول إلى بيئات أشبه بالصحراء، دون أن تمتلك البذور أو الحشرات التي تميز الصحارى.

مع ذلك، يرى سيبايوس أن الكائنات التي نجت ملايين السنين قد تكون قادرة على التكيف، إذا ما قدمنا لها المساعدة خلال 100 أو 200 عام المقبلة.

يعكس مصير الغابات الاستوائية الجافة مفارقة بيئية قانونية، فكيف يُترك نصف النظام الإيكولوجي الاستوائي دون حماية كافية، رغم وضوح مخاطره وأهميته؟ إن استمرار فقدان هذه الغابات لا يمثل فقط تهديدا للأنواع الحيوانية والنباتية، بل يشكل خرقا ضمنيا لحقوق الإنسان البيئية، وهدرا لإرث طبيعي يفترض أن يكون مضمونا للأجيال القادمة بموجب القانون الدولي البيئي.

تكشف التجارب الناجحة أن التغيير ممكن، شريطة أن يفعل القانون، وتُربط الالتزامات البيئية بالتنمية الترابية والعدالة المناخية. ومع ذلك، تبقى هذه النماذج محدودة ما لم تدمج في منظومة عالمية شاملة تقوم على الإنصاف والتضامن.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق