أصبحت الهجرة في العقود الأخيرة واحدة من أكثر القضايا حضورا في النقاشات الدولية، ليس فقط بسبب أبعادها الإنسانية والأمنية، بل أيضا لما تفرضه من تحديات اقتصادية واجتماعية وبيئية. وبينما يظل الحديث في الغالب منصبا على الهجرة غير النظامية أو اللجوء أو نزوح السكان بفعل النزاعات والكوارث، برز خلال السنوات الأخيرة نموذج آخر يحظى باهتمام متزايد، هو الهجرة الدائرية، التي تراهن عليها دول عديدة باعتبارها آلية لتنظيم تنقل اليد العاملة وتحقيق منفعة متبادلة بين بلدان الأصل وبلدان الاستقبال.
وتكتسب الهجرة الدائرية أهمية خاصة في العلاقات المغربية الإسبانية، حيث أصبحت نموذجا للتعاون في مجال التشغيل الموسمي، خاصة في القطاع الفلاحي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى اليد العاملة من جهة، وتتسع فيه فرص التشغيل المنظم من جهة أخرى.
ما المقصود بالهجرة الدائرية؟
تعرف المنظمة الدولية للهجرة الهجرة الدائرية بأنها شكل من أشكال التنقل المنظم والمتكرر للأشخاص بين بلدين أو أكثر، يتم بصورة قانونية ولمدد زمنية محددة، بما يسمح للمهاجر بالعمل في بلد الاستقبال ثم العودة إلى بلده الأصلي، مع إمكانية تكرار العملية وفق حاجيات سوق الشغل والاتفاقيات المبرمة بين الدول.
ويختلف هذا النموذج عن الهجرة الدائمة، لأن هدفه ليس الاستقرار النهائي في بلد الاستقبال، بل الاستجابة لاحتياجات اقتصادية موسمية أو مؤقتة، مع الحفاظ على الروابط الاجتماعية والاقتصادية للمهاجر ببلده الأصلي.
متى ظهر هذا المفهوم؟
بدأ مفهوم الهجرة الدائرية يفرض نفسه في الأدبيات الدولية خلال تسعينيات القرن الماضي، غير أنه اكتسب زخما أكبر بعد اعتماد المقاربة العالمية للهجرة والتنقل من طرف الاتحاد الأوروبي سنة 2005، ثم مع الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة الذي اعتمدته الأمم المتحدة سنة 2018، حيث اعتبر توسيع مسارات الهجرة النظامية أحد أهم أدوات الحد من الهجرة غير النظامية وتعزيز التنمية المشتركة.
وفي هذا السياق، أبرمت دول عدة اتفاقيات ثنائية لتنظيم تنقل العمال الموسميين، ويعد التعاون بين المغرب وإسبانيا من أبرز هذه النماذج في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
كيف تختلف عن باقي أنواع الهجرة؟
رغم أن جميع أشكال الهجرة تقوم على انتقال الأشخاص من مكان إلى آخر، فإن دوافعها ومدتها وأهدافها تختلف بشكل كبير.
فالهجرة الدائمة تقوم على الاستقرار النهائي في بلد جديد، بينما ترتبط الهجرة المؤقتة بعقد عمل أو دراسة أو مهمة محددة تنتهي بالعودة. أما الهجرة القسرية فتشمل اللاجئين والفارين من الحروب والاضطهاد والكوارث، في حين تشير الهجرة غير النظامية إلى التنقل خارج الأطر القانونية المعتمدة.
أما الهجرة الدائرية فتتميز بأنها قانونية، ومنظمة، وقابلة للتكرار، وتستجيب لحاجيات سوق العمل دون أن تقطع صلة المهاجر بوطنه، وهو ما يجعلها نموذجا مختلفا عن باقي أشكال التنقل البشري.
هل تعد الهجرة الدائرية هجرة مناخية؟
الجواب هو لا، من الناحية القانونية، لأن الهجرة المناخية ترتبط أساسا بانتقال الأشخاص بسبب آثار التغير المناخي، مثل الجفاف والتصحر والفيضانات وارتفاع مستوى البحار، ولا يوجد حتى اليوم تعريف قانوني دولي ملزم لفئة “المهاجر المناخي”.
أما الهجرة الدائرية فهي هجرة اقتصادية منظمة، تنشأ بموجب اتفاقيات بين الدول لتلبية احتياجات محددة في سوق الشغل.
غير أن الفصل بين النوعين أصبح أقل وضوحا مع تفاقم آثار تغير المناخ، إذ يؤكد خبراء المنظمة الدولية للهجرة والبنك الدولي أن تراجع الإنتاج الزراعي، وشح المياه، وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق يدفعان مزيدا من السكان إلى البحث عن فرص عمل موسمية داخل بلدانهم أو خارجها. وبهذا المعنى، قد يسهم تغير المناخ بصورة غير مباشرة في زيادة الطلب على برامج الهجرة الدائرية، دون أن يحولها إلى هجرة مناخية بالمعنى القانوني.
لماذا تحظى باهتمام متزايد؟
ترى الحكومات أن الهجرة الدائرية تحقق توازنا بين احتياجات الاقتصاد وحماية الحدود، فهي توفر لبلدان الاستقبال اليد العاملة التي تحتاج إليها في مواسم الفلاحة أو السياحة أو البناء، وتتيح لبلدان الأصل فرص تشغيل وتحويلات مالية واكتساب خبرات مهنية.
كما أن هذا النموذج ينسجم مع الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، والهدف العاشر الذي يدعو إلى تيسير الهجرة والتنقل المنظم والآمن، والهدف السابع عشر القائم على تعزيز الشراكات الدولية لتحقيق التنمية.
غير أن نجاح الهجرة الدائرية لا يقاس بعدد المستفيدين فقط، بل أيضا بقدرتها على ضمان شروط العمل اللائق، وحماية الحقوق الاجتماعية، والتكيف مع التحديات الجديدة، وعلى رأسها تغير المناخ، الذي أصبح يفرض واقعا مختلفا على القطاعات المعتمدة على العمل الموسمي.
مدخل إلى سلسلة تحليلية
يشكل هذا المقال مدخلا لسلسلة من التحقيقات والتحليلات التي ستتناول تجربة الهجرة الدائرية بين المغرب وإسبانيا من زوايا متعددة، تشمل ظروف العمل، والحقوق الاجتماعية، والآثار الاقتصادية، والتحديات المناخية، ودور هذه التجربة في تحقيق التنمية المستدامة، استنادا إلى معطيات وتقارير رسمية مغربية وإسبانية ودولية.

















عذراً التعليقات مغلقة