من إماطة الأذى إلى فرز الخبز: حكاية مغاربة يحمون البيئة كل يوم

ECO171 يونيو 2026
من إماطة الأذى إلى فرز الخبز: حكاية مغاربة يحمون البيئة كل يوم
ابراهيم بوكيوض

 

حين تتحول العادات اليومية إلى أفعال بيئية: كيف يساهم المغاربة في حماية البيئة دون أن يشعروا؟

البيئة ليست دائما مشروعا كبيرا

حين نتحدث عن حماية البيئة، غالبا ما تتجه الأذهان إلى المؤتمرات الدولية، والطاقات المتجددة، ومشاريع التشجير الكبرى، والقوانين المنظمة لتدبير النفايات والماء والهواء. غير أن جانبا مهما من السلوك البيئي لا يولد دائما داخل المؤسسات أو المختبرات أو الخطط الحكومية، بل يتشكل بهدوء داخل البيوت، والأسواق، والأحياء، والطرقات، من خلال عادات يومية بسيطة يمارسها المغاربة دون أن يقدموا أنفسهم بوصفهم فاعلين بيئيين.

في الحياة اليومية للمغاربة، توجد ممارسات كثيرة تحمل أثرا بيئيا واضحا، حتى وإن لم تكن محاطة بمفاهيم مثل “الاستدامة” أو “البصمة الكربونية” أو “الاقتصاد الدائري”. فحين تصلح الأسرة جهازا منزليا بدل التخلص منه، أو حين يعاد استعمال الملابس والأثاث، أو حين تصلح الأحذية والحقائب عند الحرفيين، فإن الأمر لا يعبر فقط عن حرص اقتصادي، بل يطيل عمر الأشياء ويقلل حجم النفايات. وما تسميه الأدبيات البيئية الحديثة اليوم بالاقتصاد الدائري، مارسه المغاربة منذ زمن طويل بمنطق بسيط يقوم على عدم التبذير وحسن استعمال الموارد.

إصلاح الأشياء بدل رميها

تعد ثقافة إصلاح الأشياء واحدة من الممارسات اليومية التي تحمل أثرا بيئيا مهما، حتى إن لم تقدم بهذا المعنى. فكثير من المغاربة ما زالوا يفضلون إصلاح الحذاء، أو خياطة الثوب، أو ترميم الأثاث، أو صيانة الأجهزة المنزلية، بدل التخلص منها بسرعة. وقد يبدو هذا السلوك نابعا من الرغبة في الاقتصاد وتجنب المصاريف الزائدة، لكنه في العمق يساهم في إطالة عمر المنتجات وتقليص النفايات المنزلية.

وهنا تظهر قيمة بعض المهن التقليدية والحرف الصغيرة التي تحافظ، بطريقة غير مباشرة، على منطق بيئي قائم على الإصلاح بدل الاستبدال. فالإسكافي، والخياط، والنجار، ومصلح الأجهزة، لا يقدمون فقط خدمات يومية للناس، بل يساهمون في مقاومة ثقافة الاستهلاك السريع التي جعلت كثيرا من الأشياء قصيرة العمر وسريعة التحول إلى نفايات.

الخبز ليس نفاية

ومن بين العادات المغربية اللافتة أيضا فرز بقايا الخبز عن باقي النفايات. ففي كثير من البيوت، لا ينظر إلى الخبز بوصفه فضلة عادية، بل باعتباره نعمة ينبغي احترامها. لذلك يفصل في كيس خاص أو يوضع جانبا حتى يستفيد منه مربو الماشية أو الطيور أو بعض المحتاجين.

هذه العادة، رغم بساطتها، تحمل بعدا بيئيا مهما، لأنها تقلل الهدر الغذائي، وتمنح بقايا الطعام دورة استعمال جديدة، وتحد من اختلاط المواد العضوية بباقي النفايات المنزلية. إنها ممارسة شعبية تبدو عادية، لكنها تلتقي في عمقها مع مبادئ حديثة تدعو إلى تقليص النفايات وتثمين الموارد.

عدم التبذير.. عادة يومية بروح بيئية

ولا يقف الأمر عند الخبز وحده، بل يمتد إلى ثقافة أوسع تقوم على عدم التبذير. فكثير من الأسر المغربية تعيد استعمال بقايا الطعام في وجبات أخرى، أو توجه بعض المخلفات العضوية نحو إطعام الحيوانات، خاصة في القرى وضواحي المدن.

ورغم أن الدافع المباشر قد يكون اقتصاديا أو اجتماعيا، فإن النتيجة البيئية تبقى إيجابية، لأنها تحد من الهدر وتخفف الضغط على منظومة جمع النفايات ومعالجتها. وفي هذا المعنى، تصبح المائدة المغربية، بما تحمله من تدبير حذر للطعام واحترام للنعمة، مجالا صغيرا لممارسة بيئية يومية غير معلنة.

إماطة الأذى عن الطريق.. قيمة دينية ذات أثر بيئي

وفي الفضاء العام، تحضر قيمة أخرى ذات أصل ديني وأخلاقي عميق، هي إماطة الأذى عن الطريق. فهذه القيمة لا تعني فقط رفع حجر أو زجاج أو جسم قد يؤذي المارة، بل تحمل تصورا أوسع للمسؤولية المشتركة تجاه المجال العام.

وحين يبعد شخص ما أذى عن طريق، أو ينظف محيط بيته، أو يشارك في حملة تنظيف حي أو شاطئ، فهو يمارس فعلا بيئيا بقدر ما يمارس سلوكا أخلاقيا. وهنا تظهر خصوصية التجربة المغربية، حيث لا تنفصل بعض الممارسات البيئية عن منظومة القيم الدينية والاجتماعية التي تشجع على النظافة، واحترام النعمة، وصيانة الفضاء المشترك.

الأسواق التقليدية ونمط الاستهلاك المحلي

كما أن الأسواق التقليدية المغربية تقدم بدورها مثالا يوميا على سلوك أقل تلويثا مما قد يبدو في الظاهر. فالشراء من الأسواق المحلية يعني غالبا اقتناء منتجات قريبة المصدر، وأقل تغليفا، وأكثر ارتباطا بالموسم.

كما أن استعمال القفف والأكياس القابلة لإعادة الاستعمال، ولو بدافع العادة أو التوفير، يقلل الاعتماد على البلاستيك ذي الاستعمال الواحد. وبذلك تتحول اختيارات استهلاكية بسيطة إلى مساهمة غير مباشرة في تخفيف النفايات وتقليص البصمة البيئية للمنتجات.

التنقل اليومي وأثره البيئي غير المقصود

وحتى في التنقل، يساهم كثير من المغاربة في حماية البيئة دون أن يقصدوا ذلك بشكل مباشر. فاستعمال النقل الجماعي، والطرامواي، والحافلات، وسيارات الأجرة المشتركة، أو المشي داخل الأحياء، لا يرتبط دائما بوعي بيئي معلن، بل يرتبط في الغالب بالكلفة والقرب وسهولة الوصول.

ومع ذلك، فإن هذه السلوكيات تساعد على تقليص استعمال السيارات الخاصة، وتخفيف الانبعاثات، والحد من الازدحام، خصوصا في المدن الكبرى. فالاختيار الذي يمليه الواقع الاقتصادي أو اليومي قد يتحول، في أثره النهائي، إلى ممارسة بيئية مفيدة للمدينة وسكانها.

حماية البيئة خارج لغة الكوارث

إن أهمية هذه الممارسات تكمن في أنها تكشف وجها آخر للبيئة، وجها أقل سوداوية وأكثر قربا من الناس. فالبيئة ليست دائما موضوعا كارثيا مرتبطا بالجفاف والحرائق والتلوث، وليست قضية نخبوية تحتاج إلى لغة تقنية معقدة. إنها أيضا مجموعة من التصرفات اليومية الصغيرة التي تتراكم، وتحدث أثرا حقيقيا حين يمارسها عدد كبير من الناس.

لذلك، ربما يحتاج الخطاب البيئي اليوم إلى أن ينظر بإيجابية أكبر إلى ما يقوم به المواطنون في حياتهم العادية. فالمغاربة، مثل غيرهم من الشعوب، لا ينتظرون دائما حملات كبرى حتى يحموا محيطهم. أحيانا يفعلون ذلك وهم يصلحون ما تعطل، ويفرزون الخبز عن النفايات، ويبعدون الأذى عن الطريق، ويعيدون استعمال ما يمكن استعماله، ويشترون من السوق القريب، ويمشون بدل ركوب السيارة.

الاستدامة قد تبدأ من عادة بسيطة

قد لا تسمى هذه السلوكيات في الحياة اليومية “ممارسات بيئية”، لكنها في جوهرها كذلك. وهي تذكرنا بأن حماية البيئة لا تبدأ دائما من القرارات الكبرى، بل تبدأ أحيانا من عادة بسيطة، ومن احترام نعمة، ومن حرص على النظافة، ومن شعور صامت بأن الطريق والحي والمدينة ليست ملكا لأحد وحده، بل مسؤولية مشتركة بين الجميع.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق