يعد القَدِّيد من أقدم طرق حفظ اللحم في المغرب وعدد من المجتمعات التقليدية، حيث يقوم على تقطيع اللحم إلى شرائح، ثم تمليحه وتتبيله وتجفيفه في الهواء والشمس حتى يفقد جزءا كبيرا من رطوبته. وقد ارتبط القديد في المغرب بعيد الأضحى، وبمطبخ الأسرة، وبالقدرة القديمة على حفظ اللحم قبل انتشار الثلاجات ووسائل التبريد الحديثة.
ولا يقتصر القديد على المغرب وحده، إذ نجد أشكالا قريبة منه في بلدان كثيرة. ففي جنوب إفريقيا يعرف لحم مجفف باسم “Biltong”، وفي الولايات المتحدة ينتشر “Jerky”، وفي تركيا والبلقان نجد “Pastirma”، وفي غرب إفريقيا يوجد “Kilishi”، كما تعرف الجزائر وتونس أنواعا من “القديد” أو “الڨديد”. ويجمع بين هذه المنتجات مبدأ واحد: تقليل الماء داخل اللحم، واستعمال الملح والتجفيف لإبطاء نمو الجراثيم وإطالة مدة الحفظ.
يحتفظ القديد، من الناحية الغذائية، بجزء مهم من بروتينات اللحم ومعادنه، خصوصا الحديد والزنك وبعض فيتامينات المجموعة “ب”. وتوضح مراجعة علمية بعنوان “A Comprehensive Review of Drying Meat Products and the Associated Effects and Changes” أن تجفيف اللحوم يساعد على تركيز عدد من العناصر الغذائية بسبب فقدان الماء، لكنه قد يرفع أيضا تركيز الملح وبعض المركبات غير المرغوبة إذا لم تضبط طريقة التحضير والتخزين. وقد نشرت هذه المراجعة سنة 2022، وركزت على تأثير التجفيف في جودة اللحوم المجففة وسلامتها وقيمتها الغذائية.
وفي ما يخص القديد المغربي تحديدا، تعد دراسة Bennani وZenati وFaid وEttayebi، المنشورة سنة 1995 بعنوان “Physico-chemical and Microbiological Characteristics of a Dried Salted Meat Product: Kaddid in Morocco”، من الدراسات المرجعية القليلة التي تناولت هذا المنتج المحلي. وقد بينت أن القديد المغربي يتميز بانخفاض نشاط الماء بسبب التمليح والتجفيف، وهو ما يساعد على الحد من نمو عدد من الميكروبات المسببة للفساد. غير أن الدراسة نفسها تبرز، بطريقة غير مباشرة، أن سلامة القديد لا تتحقق تلقائيا، بل ترتبط بظروف النظافة، وجودة اللحم، ودرجة التجفيف، وطريقة التخزين.
لا تعتبر الأبحاث العلمية القديد دواء، ولا تنسب إليه قدرة علاجية مباشرة. أقصى ما يمكن قوله إنه غذاء غني بالبروتين وبعض المعادن، وقد يزود الجسم بالطاقة والعناصر الغذائية عندما يؤكل باعتدال. لذلك يجب التمييز بين قيمته الغذائية وبين الادعاء بأنه غذاء علاجي.
في المقابل، تطرح اللحوم المملحة والمجففة عددا من التحفظات الصحية. فقد صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، في تقريرها “IARC Monographs Volume 114: Red Meat and Processed Meat”، الصادر سنة 2015 والمنشور كاملا سنة 2018، اللحوم التي تحفظ بالتمليح أو التجفيف أو التدخين ضمن اللحوم المعالجة بالمعنى العلمي الواسع، وخلصت إلى وجود علاقة بين الاستهلاك المنتظم للحوم المعالجة وارتفاع خطر سرطان القولون والمستقيم. وهذا لا يعني أن تناول القديد مرة أو مرات قليلة يشكل خطرا مباشرا، لكنه يعني أن الاستهلاك المتكرر وبكميات كبيرة ليس اختيارا صحيا.
وفي السياق المغربي، يزداد النقاش الصحي عندما يتحول القديد إلى “الخليع”. فالخليع يجمع غالبا بين اللحم المقدد والملح والدهون والطبخ أو التسخين، لذلك يكون أثقل من القديد من حيث الدهون والملح والسعرات الحرارية. ولهذا يبقى مناسبا أكثر كأكلة تراثية موسمية، لا كغذاء يومي، خصوصا بالنسبة للأشخاص المصابين بارتفاع الضغط أو الكوليسترول أو أمراض القلب والكلى.
يبقى القديد إذن جزءا من التراث الغذائي المغربي، وذاكرة مطبخية تعكس ذكاء الأسر القديمة في حفظ الطعام. لكنه، من منظور الصحة الحديثة، يحتاج إلى اعتدال في الاستهلاك، ونظافة في التحضير، وتخزين آمن، وتوازن في النظام الغذائي. فالقديد ليس غذاء ممنوعا، لكنه ليس أيضا طعاما صحيا مطلقا؛ قيمته الحقيقية تظهر عندما يحضر بطريقة سليمة، ويستهلك بكميات محدودة، داخل نظام غذائي متنوع غني بالخضر والقطاني والفواكه.





















عذراً التعليقات مغلقة