تتمدد شي إن SHEIN بسرعة مذهلة عبر العالم كما لو أنها آلة ضخمة تنتج الموضة وتلتهم الأسواق في الوقت نفسه؛ وتغزو المنصة الصينية يوميا هواتف الشباب بتصاميم جديدة وأسعار لا يمكن مقاومتها، وتدفعهم إلى شراء ما يحتاجونه وما لا يحتاجونه، لأن الفكرة بسيطة: الموضة تستهلك وترمى، لأنه لا يتم اقتناؤها لتبقى. هكذا استطاعت الشركة بناء أكبر نموذج للموضة السريعة جدا، وهكذا تكدست حولها، اليوم، أكبر موجة غضب في أوروبا.
تبدأ القصة بنبرة تجارية مثيرة: فرنسا، إحدى أكثر الدول حساسية تجاه حماية المستهلك، تفتح تحقيقا واسعا بعد اكتشاف دمى جنسية تشبه الأطفال وأسلحة محظورة معروضة على منصة شي إن. واعتبرت الحكومة الأمر تهديدا للنظام العام وطالبت بتعليق نشاط الشركة بالكامل. وقبل أن تهدأ العاصفة، تنكشف فضيحة ثانية: غرامة تتجاوز 400 مليون درهم بسبب تخفيضات وهمية خادعة. كل ذلك وحده كاف لإسقاط سمعة أي شركة، لكن الأزمة لم تكن قد بدأت بعد.
الضربة الحقيقية جاءت من قلب الأثواب، حيث كشفت تقارير مخبرية أوروبية وآسيوية أن جزءا من ملابس شي إن يحتوي على مواد كيميائية، من بينها*: المواد الفلورو–ألكيلية المشبعة المعروفة بـالمواد الأبدية، والفثالاث التي تعتبر من أبرز معرقلات الغدد الصماء، إضافة إلى أصباغ المعادن الثقيلة مثل الرصاص والكادميوم والكروم السداسي، وهي مركبات قد تؤدي إلى حساسية جلدية، واضطرابات هرمونية، ومخاطر سرطانية عند التعرض المتكرر.
تجاوزت نتائج وآثار هاته المواد الحدود الأوروبية بمئات المرات، فالحديث هنا ليس عن عطر مزعج أو صباغة رديئة، بل عن مواد ربطت الدراسات بينها وبين اضطرابات هرمونية ومشاكل المناعة وبعض أنواع السرطان؛ الأخطر أن هذه المواد وجدت أيضا في ملابس الأطفال.
إن فرنسا، التي تعتبر من أنشط المدافعين عن البيئة داخل أوروبا، لم تعد تنظر إلى شي إن كمنصة تجارية فقط، بل كرمز لأزمة أكبر: كيف يمكن للعالم أن يحمي مجتمعاته من شركات ضخمة تتحرك خارج أي رقابة فعلية؟ وكيف يمكن فرض معايير صحية صارمة على سلسلة إنتاج وتوريد معقدة تمتد عبر مصانع مجهولة، يصعب تتبعها ويستحيل ضبطها في كل مرحلة؟
أمام كل هاته الاتهامات، جاء رد شي إن بمعطيات مطمئنة تتعلق بملايين الاختبارات المخبرية وعن مراقبة الجودة وسحب المنتجات غير المطابقة، لكنها لا تقدم جوابا على السؤال الجوهري: لماذا تظهر هذه المواد أصلا في منتجاتها؟ وكيف تتكرر هاته المخالفات في بلدان مختلفة، ومن مختبر إلى آخر، مع اختلاف العينات وسياقات المراقبة؟
في النهاية، يجد المستهلك نفسه أمام حقيقة بسيطة ومخيفة في آن واحد: الملابس الرخيصة ليست رخيصة، بل مؤجلة التكلفة، لأنه سيدفع فواتيرها لاحقا من صحته، ومن صحة أطفاله، ومن تدهور بيئته. والكوكب يدفع أيضا، لأنه يتحول إلى مطرح للنفايات السامة التي خلفتها موضة لا تعيش أكثر من موسم.
قضية شي إن ليست حربا بين فرنسا وشركة صينية، إنها مواجهة بين حق الإنسان في ملابس آمنة وبين نموذج اقتصادي مبني على الاستهلاك السريع، والهدر، وتقليل التكلفة بأي ثمن.
لعل هاته اللحظة قد تكون بداية النهاية لأسطورة الموضة السريعة جدا، أو بداية معركة جديدة أكثر صرامة في وجه الشركات التي تحاول تلوين أرباحها على حساب صحة الملايين.
*1. المواد الفلورو-ألكيلية المشبعة PFAS: هي مجموعة من المركبات المعروفة باسم المواد الكيميائية الأبدية لأنها لا تتحلل في الطبيعة تقريبا. ترتبط هذه المواد بزيادة مخاطر: اضطرابات الجهاز المناعي، مشاكل الغدة الدرقية، اختلال الهرمونات، وبعض أنواع السرطان عند التعرض المزمن.
2. الفثالات Phthalates: هي مواد تجعل البلاستيك أكثر ليونة، توجد غالبا في الطباعة على الملابس أو الإكسسوارات. ترتبط مخاطرها باضطرابات الغدد الصماء، مشاكل الخصوبة عند الرجال والنساء، تأثيرات محتملة على نمو الأطفال، وحساسية جلدية عند بعض الفئات.
3. أصباغ المعادن الثقيلة Heavy Metal Dyes: وتشمل مركبات تعتمد على الرصاص والكادميوموالكروم السداسي وغيرها. تسبب هذه المعادن تهيجات جلدية وتنفسية، تأثيرات على الجهاز العصبي، خصوصا عند الأطفال، زيادة احتمال الإصابة ببعض السرطانات، وتراكما ساما في الكبد والكليتين.




















عذراً التعليقات مغلقة