يمثل هذا المقال خلاصة شاملة وتحليلا نقديا للدراسة العلمية المعنونة بـ “Biochar from animal manure: A critical assessment on technical feasibility, economic viability, and ecological impact”، والتي نُشرت بتاريخ 5 يوليو 2023. تستعرض الدراسة، التي أعدّها فريق من الباحثين بقيادة ديلاني راتناياكي، الإمكانيات التقنية والاقتصادية والبيئية لتحويل روث الحيوانات إلى فحم حيوي باستخدام تقنية التحلل الحراري Pyrolysis، وتبحث في فوائد هذا التحول على صعيد الزراعة والبيئة والحد من الانبعاثات الضارة.
المخاطر البيئية الكامنة في روث الحيوانات
يُستخدم روث الحيوانات منذ آلاف السنين كسماد عضوي لتحسين خصوبة التربة، إلا أن النمو المتسارع لصناعة تربية الحيوانات، وتكثيف الأنشطة الزراعية في مناطق محددة، أدى إلى تكدس الروث بشكل يفوق قدرة التربة على امتصاصه. ينتج عن ذلك مشاكل بيئية كبيرة تشمل تلوث المياه الجوفية، إطلاق غازات دفيئة، وتراكم ملوثات سامة ومضادات حيوية في البيئة.
يحتوي روث الحيوانات على عناصر غذائية مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، ولكن 70% من هذه العناصر لا تُستغل داخل أجسام الحيوانات وتُطرد في صورة مخلفات. يؤدي ذلك إلى فقدان العناصر عبر الجريان السطحي أو التبخر، وزيادة احتمالية تلوث المياه السطحية والجوفية. كما يحمل الروث مجموعة واسعة من الملوثات مثل المعادن الثقيلة (كالزنك والنحاس)، البكتيريا المسببة للأمراض، ومخلفات المضادات الحيوية التي تسهم في نشوء سلالات بكتيرية مقاومة للعلاج.
التحلل الحراري كحل بديل مستدام
في مواجهة هذه التحديات، تقترح الدراسة التحول من الإدارة التقليدية للروث (كالتحلل الهوائي أو التخزين أو التسميد المباشر) إلى استخدام تقنية التحلل الحراري لتحويل الروث إلى فحم حيوي. التحلل الحراري هو عملية تحويل حراري في بيئة منخفضة أو معدومة الأوكسجين تُنتج الفحم الحيوي، والزيوت الحيوية، والغازات القابلة للاشتعال. وقد ثبت أن هذه التقنية قادرة على تقليل التلوث وتحويل المكونات العضوية إلى مواد أكثر استقرارًا وصديقة للبيئة.
خصائص الفحم الحيوي المنتج من الروث
يتميز الفحم الحيوي الناتج عن التحلل الحراري للروث بخصائص متعددة تعتمد على نوع الروث وظروف التحلل الحراري، مثل درجة الحرارة والوقت ونسبة الأوكسجين. ويحتفظ الفحم الحيوي بكمية جيدة من الكربون، مما يجعله وسيلة فعالة لعزل الكربون عن الغلاف الجوي لفترات طويلة. كما أن قدرته على الاحتفاظ بالعناصر الغذائية وتحسين خصائص التربة مثل القدرة على الاحتفاظ بالماء والكاثيونات (CEC) يجعله خيارا ممتازا كسماد بطيء الإطلاق.
تحولات العناصر الغذائية خلال التحلل الحراري
تطرقت الدراسة إلى تحولات العناصر الكبرى خلال التحلل الحراري:
• الكربون: يبقى جزء كبير من الكربون في الفحم الحيوي، مما يساهم في تكوين مصارف كربونية طويلة الأمد.
• النيتروجين: يتم فقد نسبة من النيتروجين على شكل غازات مثل N2، مما يقلل من محتوى النيتروجين في الفحم، ولكن يبقى جزء منه في شكل مركبات عضوية معقدة.
• الفوسفور: لا يتطاير أثناء التحلل الحراري بل يتراكم في الفحم الحيوي، إلا أن قابليته للذوبان تقل، ويصبح إطلاقه أبطأ في التربة، مما يقلل من الفاقد.
• الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم: تتغير وفرتها حسب درجة الحرارة، وغالبًا ما تكون أكثر توفرًا في الفحم المنتج عند درجات حرارة مرتفعة.
الحد من الملوثات الحيوية والعضوية
من أبرز فوائد التحلل الحراري للروث هو القضاء شبه التام على البكتيريا الممرضة، ومخلفات المضادات الحيوية، والعناصر الهرمونية مثل الإستروجين، والملوثات الدقيقة. يحدث هذا بفضل درجات الحرارة المرتفعة التي تتجاوز 500 درجة مئوية، مما يؤدي إلى تحلل هذه المركبات بالكامل. وقد أكدت الدراسة أن الفحم الناتج عن تحلل الروث عند هذه الدرجة يُعد آمنا بيولوجيا وبيئيا.
الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة
واحدة من أهم فوائد استخدام تقنية التحلل الحراري هي قدرتها على خفض انبعاثات الغازات الدفيئة مثل الميثان (CH4) وأكسيد النيتروز (N2O) التي تنبعث عادة من تخزين واستخدام الروث الخام. وبالمقارنة مع طرق الإدارة التقليدية، أظهرت دراسة الجدوى أن الانبعاثات الكلية تنخفض بنسبة تصل إلى 90% في بعض الحالات.
الأثر الزراعي للفحم الحيوي مقارنة بالروث
قامت الدراسة بتحليل تأثيرات استخدام الفحم الحيوي مقارنة باستخدام الروث مباشرة على خصائص التربة ونمو النباتات. وقد تبين أن الفحم الحيوي يُحسن من قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء، ويزيد من الكربون العضوي، ويخفض من تركيز العناصر السامة. كما يُظهر أداء جيدا في تعزيز نمو المحاصيل، خصوصا عندما يُستخدم مع الأسمدة العضوية أو السائلة الغنية بالعناصر الغذائية المُستخلصة من الروث قبل التحلل الحراري.
ومع ذلك، أشارت الدراسة إلى أن بعض التأثيرات قد تختلف باختلاف نوع التربة والمناخ، حيث لم تُظهر بعض المناطق المعتدلة زيادة واضحة في الإنتاجية. كما أن بعض المركبات الغذائية تصبح أقل توفرًا مباشرة بعد التطبيق وتحتاج إلى وقت لتتحلل.
الفحم الحيوي كمخزن طويل الأمد للكربون
يُعتبر الفحم الحيوي أحد أفضل تقنيات “الانبعاثات السالبة” Negative Emission Technologies، حيث يمكن استخدامه لعزل الكربون من الغلاف الجوي لفترات طويلة تتجاوز 100 عام. أظهرت الدراسة أن الفحم الحيوي من روث الحيوانات يمكنه عزل ما بين 1.07 إلى 1.67 طن من ثاني أكسيد الكربون لكل طن فحم منتج، مما يفتح المجال أمام أسواق ائتمان الكربون.
التحديات والاعتبارات
رغم المزايا البيئية الكبيرة، توجد عدة تحديات يجب تجاوزها لتحقيق استخدام فعال ومستدام للفحم الحيوي من الروث، ومنها:
• الحاجة إلى تقنيات مناسبة لتجفيف الروث قبل التحلل الحراري.
• التأكد من السيطرة على الانبعاثات أثناء عملية التحلل.
• أهمية تصميم تجارب ميدانية تقارن بين التأثير الفعلي لتطبيق الفحم الحيوي مقابل الروث الخام على أساس كتلة متساوية من الروث الأصلي.
الخلاصة والتوصيات
تكشف هذه الدراسة أن تحويل روث الحيوانات إلى فحم حيوي هو خيار واعد بيئيًا وزراعيًا. فإلى جانب تقليل الانبعاثات، وتحسين خصائص التربة، وتحييد الملوثات، فإن هذه التقنية تُتيح إمكانية خلق مخازن كربون طويلة الأمد. ومع ذلك، فإن التطبيق الفعال يتطلب تحسين تقنيات ما قبل المعالجة، والتأكد من جودة الفحم الناتج، وتصميم سياسات تحفيزية تدعم تبني هذه الحلول على نطاق واسع.
وبينما لا تزال هناك فجوات معرفية تتعلق بالتأثيرات طويلة الأمد على المحاصيل والنظام البيئي الزراعي، فإن هذه الدراسة تمثل خطوة محورية في التحول نحو نظم زراعية أكثر استدامة، حيث يُعاد تدوير المخلفات إلى موارد قيّمة.
______________________
https://phys.org/news/2024-04-quickly-livestock-manure-biochar.html



















