لا مكان لمغرب يسير بسرعتين: أرقام 2023 تنذر وثقل الثروة يتمركز في ثلاث جهات

ECO173 سبتمبر 2025
المغرب بسرعتين
ابراهيم بوكيوض

سبق وأن شدد الخطاب الملكي بوضوح: “فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”؛ ويأتي إصدار المندوبية السامية للتخطيط لحسابات 2023 ليمنح هذا التنبيه مضمونا رقميا صارما، حيث كشفت مذكرة المندوبية أن ثلاث جهات فقط، هي الدار البيضاء–سطات (32,2%) والرباط–سلا–القنيطرة (15,7%) وطنجة–تطوان–الحسيمة (10,6%)—، صاغت 58,5% من الناتج الداخلي الإجمالي لسنة 2023. ويعزى هذا التمركز إلى دينامية صناعية وتجارية وخدماتية قوية وإلى بنى تحتية وازنة تحتضنها هذه الأقطاب.

يرسم التقرير صورة أدق للفجوة المجالية، عبر رصد ارتفاع متوسط الفارق المطلق بين ناتج الجهة والمتوسط الجهوي من 73,3 إلى 83,1 مليار درهم بين 2022 و2023، ما يعني أن المسافة بين الجهات السريعة وباقي الجهات اتسعت قليلا خلال سنة واحدة. وعلى المستوى الكلي، سجل الاقتصاد الوطني سنة 2023 1,8% نموا بالحجم، فيما بلغ الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية 1.479,76 مليار درهم، وهو تحسن اسمي معتبر لكنه لا يخفي التفاوت بين الجهات.

تبرز بنية القطاعات بدورها تمركزا واضحا. لا تتجاوز مساهمة القطاع الأولي وطنيا 11,1%، لكنها ترتفع فوق المتوسط في جهات فاس–مكناس ودرعة–تافيلالت وسوس–ماسة، فيما تنخفض في الدار البيضاء–سطات إلى 4% فقط. أما القطاع الثانوي فيتركز صناعيا بين الدار البيضاء–سطات وطنجة–تطوان–الحسيمة اللتين تنتجان معا 68,6% من القيمة المضافة الصناعية، بينما القطاع الثالثي يتركز 66,1% منه داخل أربع جهات: الدار البيضاء–سطات، والرباط–سلا–القنيطرة، ومراكش–آسفي، وطنجة–تطوان–الحسيمة. هذه الخريطة تفسر لماذا تتكدس فرص الشغل والقيمة المضافة حيث تتكدس البنى والخدمات.

ويعزز إنفاق الأسر نفس الاتجاه، فخمس جهات فقط استحوذت على حوالي 74% من نفقات الاستهلاك النهائي للأسر في 2023: تتقدمها الدار البيضاء–سطات (25,3%) تليها الرباط–سلا–القنيطرة (14,7%) ثم طنجة–تطوان–الحسيمة (11,5%) ومعها فاس–مكناس (11,5%) ومراكش–آسفي (11,3%). وبخصوص القدرة الشرائية الفردية التي تقاس بالإنفاق، يحافظ المحور الساحلي والجهات الجنوبية على مواقع متقدمة، ما يعمق تفاوت أنماط الاستهلاك بين الجهات.

حتى نصيب الفرد من الناتج يكرس الفوارق: يبلغ المعدل الوطني 40.508 دراهم، بينما يقفز إلى 89.533 في وادي الذهب–الداخلة و69.069 في العيون–الساقية الحمراء و62.777 في الدار البيضاء–سطات؛ في المقابل ينخفض إلى 25.324 في درعة–تافيلالت ويقترب من 35.565 في طنجة–تطوان–الحسيمة. هذه الهوة العددية تتغذى من تمركز النشاط والاستثمار، وتنعكس مباشرة على الدخل الفردي.

أما دينامية النمو الجهوي بين 2022 و2023، فتظهر جهات سوس–ماسة (7,8%) والرباط–سلا–القنيطرة (5,4%) ومراكش–آسفي (4,6%) فوق المعدل الوطني، مقابل تراجعات في فاس–مكناس (-1,8%) وبني ملال–خنيفرة (-4,7%). القراءة هنا بسيطة: حتى في سنة نمو وطني إيجابي، لا تنمو الجهات بنفس الإيقاع.

إن الأرقام تدعم جوهر الرسالة الملكية بأن التنمية لا يجب أن تنتج مغربين؛ واحدا يستفيد من ثمار النمو وآخر يبقى خارج المسار. فالمطلوب الآن سياسات عملية تسرع تنويع القاعدة الإنتاجية خارج محور البيضاء–طنجة، وتعيد توزيع الاستثمار العمومي والخدمات وفق حاجات الساكنة وعبء المرض والمسافة عن المراكز، وتقوي رأس المال البشري في الجهات الأقل حظا. بهذه الشروط فقط، تتحول المؤشرات من إنذار إلى منعطف يقود إلى مغرب يسير بسرعة واحدة للجميع.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق