تثير مركبات PFAS المعروفة باسم المواد الكيميائية الأبدية، جدلا متصاعدا عالميا بالنظر إلى خصائصها الكيميائية التي تجعلها مقاومة للتفكك البيولوجي، ما يؤدي إلى تراكمها في الطبيعة وفي جسم الإنسان. تنتمي هذه المركبات إلى عائلة تضم آلاف المواد الصناعية التي استخدمت لعقود في العديد من المنتجات الاستهلاكية، من بينها الأواني غير اللاصقة، وتغليف الأطعمة، والملابس المقاومة للماء، ومنتجات التنظيف الصناعي.
وقد أظهرت الأبحاث العلمية أن هذه المواد ترتبط بمخاطر صحية خطيرة مثل اضطرابات الغدة الدرقية، وأنواع معينة من السرطان، ومشكلات في الكبد والجهاز التناسلي، إضافة إلى تأثيرات سلبية على مناعة الأطفال ونموهم.
مركبات PFAS: خصائصها ومخاطرها الصحية
تعتبر substances per- et polyfluoroalkylées المعروفة اختصصارا باسم PFAS من المركبات التي لا تتحلل بيولوجيا، وهو ما يجعلها قادرة على البقاء في البيئة والماء والتربة لعقود، بل وحتى قرون، كما يمكن أن تتراكم في جسم الإنسان على مدى سنوات. وقد ربطت دراسات علمية رصينة بين التعرض المزمن لها وبين ظهور عدد من الأمراض المزمنة والخطيرة، من بينها السرطان، واضطرابات الهرمونات، وأمراض الكبد والكلى، ومشكلات في الخصوبة، إضافة إلى ضعف الجهاز المناعي وتأثيرات سلبية على نمو الأطفال. وتظهر التحاليل أن هذه المركبات باتت توجد في مياه الشرب، والتربة، بل وحتى في دم الإنسان والحيوانات البرية، وهو ما يجعلها محل قلق علمي وصحي متزايد.
قضية Tefal ومجموعة SEB: نموذج للمساءلة القانونية الأوروبية
في يوليوز الجاري، تم توجيه دعوى قضائية إلى شركة Tefal الفرنسية، التابعة لمجموعة SEB، أمام النيابة العامة في باريس رفعتها جمعيات بيئية من أبرزها Générations Futures، تتهمها بممارسة تجارية خادعة على خلفية ترويجها لمقالي التيفلون باعتبارها آمنة بيئيا وصحيا، في حين أن هذه المقالي تحتوي على مركبات PFAS. وقد استندت الشكوى إلى المادة L121-1 من قانون الاستهلاك الفرنسي التي تجرم تقديم مزاعم مضللة أو غير دقيقة للمستهلك.
ومن جهة أخرى، ينتظر أن تدفع الشركة بكون استعمالها لهذه المركبات يتم في إطار ما تسمح به التشريعات الأوروبية، خصوصا نظام REACH، وأن نسب المواد المستعملة تبقى ضمن الحدود القانونية المعترف بها، مع التأكيد على توفيرها لمعلومات السلامة في ملصقات المنتجات وتعليمات الاستعمال.
ورغم هذه الدفاعات المحتملة، فإن الاتجاه العام داخل القضاء الأوروبي أصبح أكثر تشددا تجاه الممارسات التي تندرج ضمن ما يسمى بالتسويق البيئي المضلل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنتجات تمس الحياة اليومية للمستهلك مثل أدوات الطهي. وبالتالي، قد تجد Tefal نفسها في موقف صعب إذا ما ثبت أن الشركة تعمدت إخفاء المخاطر أو المبالغة في تقديم صورة صحية مزعومة لمنتجاتها.
السوابق القضائية الدولية في قضايا PFAS
تعد التجربة الأمريكية من أبرز النماذج في مساءلة الشركات المنتجة أو المستعملة لمركبات PFAS. فقد واجهت شركة DuPont، التي كانت من أوائل المصنعين للتيفلون، دعاوى قضائية ضخمة في ولاية أوهايو، بعد أن تسببت مصانعها في تلوث مياه الشرب بمركبات PFOA، وهي من أخطر أنواع PFAS. وفي سنة 2017، وافقت DuPont وChemours على دفع تسوية مالية بلغت 671 مليون دولار لصالح آلاف السكان المتضررين، تبعتها لاحقا تسويات إضافية بمبالغ تفوق المليار دولار. أما شركة 3M، فقد اضطرت في يونيو 2023 إلى دفع أكثر من 10 مليارات دولار لتسوية دعاوى تقدمت بها أكثر من 6000 بلدية أمريكية متضررة من تلوث المياه بهذه المركبات.
وفي أوروبا، كشف تحقيق استقصائي جماعي بعنوان “Forever Pollution Project”، شاركت فيه عدة وسائل إعلام أوروبية، عن تلوث أكثر من 17 ألف موقع داخل الاتحاد الأوروبي بمركبات PFAS، من بينها مواقع صناعية وسكنية ومصادر مياه. وقد أدت نتائج هذا التحقيق إلى تحرك سلطات محلية في مدن كبرى مثل باريس وليون نحو رفع دعاوى ضد شركات صناعية متورطة في هذا التلوث، وهو ما ساهم في تسريع جهود الاتحاد الأوروبي الرامية إلى حظر شامل لغالبية مركبات PFAS بحلول سنة 2026.
مركبات PFAS في العالم العربي: غياب المساءلة رغم المؤشرات
رغم ما سبق، فإن العالم العربي لا يزال خارج دائرة المتابعة القضائية بخصوص PFAS، سواء على مستوى التشريع أو على مستوى الممارسة القضائية. ويعد المغرب نموذجا دالا في هذا السياق، حيث لم تسجل أي دعاوى قانونية ضد شركات أو فاعلين اقتصاديين بسبب استخدام أو تسويق منتجات تحتوي على PFAS، رغم وجود دلائل علمية على وجود هذه المواد في السوق المغربية. فقد كشفت دراسة أنجزت سنة 2023 من طرف جمعية AMSETOX المغربية بشراكة مع شبكة IPEN الدولية عن وجود مؤشرات على تلوث بعض عبوات تغليف الأطعمة بمركبات PFAS، خصوصا في منتجات البطاطس المقلية والحلويات. غير أن هذه النتائج لم تواكب بأي تحرك قضائي أو تنظيمي، كما لم تسجل أية متابعة قانونية حتى الآن.
ويعزى غياب المساءلة القانونية في المغرب والعالم العربي إلى عدة عوامل، أهمها نقص التشريعات الخاصة بهذه المواد، وغياب آليات للرصد المنتظم، وضعف التوعية العامة بالمخاطر المرتبطة بها، إلى جانب محدودية قدرات الجمعيات البيئية على خوض معارك قانونية ضد الشركات الصناعية الكبرى. كما أن غياب قواعد قانونية واضحة تصنف PFAS ضمن قائمة المواد المحظورة أو المقيدة يجعل من الصعب على المتضررين إثبات وقوع ضرر قانوني مباشر.
آفاق التحرك القانوني والبيئي في المغرب والعالم العربي
يمثل التحدي المتعلق بمركبات PFAS فرصة أمام الدول العربية، وعلى رأسها المغرب، لبناء منظومة وقاية بيئية متكاملة، قائمة على الاحتراز، والتشريع الوقائي، والمسؤولية الصناعية. ويتطلب ذلك أولا إدماج هذه المركبات ضمن قائمة المواد السامة أو ذات الخطورة البيئية في التشريعات الوطنية، سواء في قانون البيئة أو قانون حماية المستهلك أو القانون الجنائي البيئي. كما ينبغي دعم قدرات المختبرات العلمية للقيام بتحاليل دقيقة على مستوى المياه والمواد الغذائية، وتوفير موارد لوجستية وتقنية لهيئات المراقبة الصحية والبيئية.
كما أن إشراك المجتمع المدني في هذا الورش ضرورة لا غنى عنها، من خلال تمكين الجمعيات البيئية من الترافع القانوني، وتكوينها علميا وقانونيا، وتشجيعها على تقديم شكاوى قضائية عند الضرورة. كما أن التعاون مع الشبكات الدولية المختصة قد يعزز من القدرات المحلية ويساهم في الضغط من أجل إصلاحات تشريعية جوهرية.
تجسد قضية Tefal وما صاحبها من جدل قانوني وصحي نموذجا جديدا للمساءلة البيئية في أوروبا، وهي تبرز اتجاها عالميا نحو تشديد الرقابة على الصناعات الاستهلاكية التي تستعمل مركبات PFAS دون مراعاة كافية للآثار الصحية والبيئية. وفي حين تتقدم الدول الغربية نحو تقييد هذه المركبات، يظل العالم العربي بعيدا عن هذا المسار رغم توافر مؤشرات علمية مقلقة. ومن ثم، فإن التحرك نحو بناء إطار قانوني وتنظيمي لحماية البيئة والصحة العامة من أخطار PFAS يجب أن يكون أولوية لدى صناع القرار والمجتمع المدني على حد سواء، من أجل العدالة البيئية وحق الأجيال القادمة في بيئة سليمة وآمنة.




















عذراً التعليقات مغلقة