الدكتور الطلحي: حين تجتمع الدول ولا يجتمع القرار.. قراءة في فشل كوب 30

ECO173 ديسمبر 2025
الدكتور الطلحي: حين تجتمع الدول ولا يجتمع القرار.. قراءة في فشل كوب 30
د. أحمد الطلحي - خبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية`

من كوب دبي التي زرعت الأمل إلى كوب البرازيل التي أثمرت الإحباط

`أسدل الستار يوم 22 نونبر الماضي على قمة المناخ الكوب 30 التي احتضنتها مدينة بيليم البرازيلية، ولعلها كانت أضعف قمة للمناخ من حيث مخرجاتها التي لم ترق إلى طموحات كل العاملين على مكافحة التغيرات المناخية والمدافعين عن العدالة المناخية، وفي مقدمتهم العلماء والخبراء ومنظمات المجتمع المدني. كل القمم السابقة التي نظمت بعد قمة باريس الكوب 21 في عام 2015، كانت مخرجاتها تصب في اتجاه تحقيق اتفاق باريس التاريخي، ونتائج كل قمة كانت متقدمة عن سابقتها، إلا أن قمة 2025 كانت عكس ذلك وجاءت بالخيبات في كل المواضيع المطروحة تقريبا.

ومنذ الكوب 28 في دبي في عام 2023، أصبحت ثلاثة مواضيع تحظى بالأهمية الكبرى من أصل العشرات من المواضيع التي تتضمنها قائمة مواضيع الكوب، والتي وصل عددها في الكوب 30 إلى أكثر من 30 موضوعا. والمواضيع الثلاثة هي: المساهمات المحددة وطنيا، دعم الدول النامية، والانتقال بعيدا عن الوقود الأحفوري. وانضاف في بيليم موضوع رابع هو وقف إزالة الغابات.

وطبعا، وفي كل المجامع الدولية، هناك لوبيات تدافع عن مصالحها وتحارب اللوبيات الأخرى، وفي الكوب 30 ظهرت اللوبيات سافرة غير متسترة مقارنة بالقمم السابقة، لكن يبقى الدور الأمريكي والدور الصيني هما المؤثران بقوة في قضايا المناخ.

أولا: الانتكاسة في المواضيع الرئيسية الأربعة للكوب 30

1- المساهمات المحددة وطنيا (NDCs)

حسب اتفاق باريس، تقدم الحكومات برنامج عملها المناخي الذي يساهم في تحقيق الهدف الاستراتيجي وهو الإبقاء على متوسط ارتفاع حرارة الكوكب ضمن حدود 1.5 درجة مائوية مقارنة بمتوسط حرارة الأرض إبان الثورة الصناعية. وتسمى هذه الالتزامات الحكومية بالمساهمات المحددة وطنيا.

وفي قمة بيليم قدمت 120 دولة خططها، لكن عددا من الدول الأكثر إنتاجا للغازات الدفيئة لم تقدم خطتها المناخية مثل الهند.

ويرى الخبراء بأن الخطط المقدمة لحد الآن لا تزال بعيدة عن هدف 1.5 درجة مائوية الاستراتيجي، بل إنها مجتمعة ستؤدي إلى زيادة احترار كوكب الأرض بـ 2.5 درجة مائوية.

2- دعم الدول النامية

كما هو معلوم، الدول النامية ليست مسؤولة عن التغيرات المناخية، بل الدول الصناعية والدول الغنية هي المسؤولة بالدرجة الأولى. لذلك جاء في اتفاق باريس التزام دولي بدعم الدول النامية. ومنذ الكوب 21 تم الاتفاق على إطلاق عدد من الصناديق والبرامج، كان آخرها صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار الذي انطلق في كوب 28 بدبي.

والدول النامية تحتاج إلى 3.2 تريليون دولار سنويا لمواجهة أزمة المناخ بحلول 2035؛ 1.9 تريليون دولار بمواردها الذاتية وبالشراكة مع القطاع الخاص، والباقي 1.3 تريليون دولار بالدعم المحصل عليه من الدول الغنية.

لكن ما التزمت به الدول الغنية في قمة بيليم هو 120 مليار دولار سنويا بحلول عام 2035 لتمويل مشاريع التكيف، بدل 360 مليار دولار التي تحتاجها الدول النامية والفقيرة، وبدل 300 مليار دولار التي أقرت في كوب 29 بباكو. وهذا المبلغ سيصرف ابتداء من عام 2035 أي بعد عشر سنوات من الآن، بدل خمس سنوات التي كانت مقررة سابقا (2030).

مع العلم أن الدول الغنية لا تفي دائما بالتزاماتها المالية؛ فهي لم تلتزم إلا بـ 20 بالمائة مما تعهدت به في كوب كوبنهاغن سنة 2009، حيث تعهدت بمبلغ 100 مليار دولار سنويا ابتداء من 2020.

أما بالنسبة لصندوق الخسائر والأضرار، فلم تتلق الدول المتضررة سوى 397 مليون دولار فقط لحد الآن، مع أن الأضرار تقدر بالمئات من المليارات. بمعنى أن هذا الصندوق لا يزال بدون مساهمين فعليين، وهم أساسا الدول الملوِّثة. وقد أقرت محكمة العدل الدولية مؤخرا بأحقية الدول المتضررة من آثار التغيرات المناخية في التعويض.

وهذا الشح في الدعم المالي سيفرض على الدول النامية اللجوء إلى المديونية لتمويل مشاريع التكيف والتخفيض والتعويض عن الخسائر والأضرار، مما سيثقل كاهل ماليتها وينعكس سلبا على جهود التنمية فيها. فلقد أصبحت القروض البنكية تشكل 73 بالمائة من التمويل المناخي، مع استمرار البنوك في تمويل مشاريع الوقود الأحفوري.

3- الانتقال بعيدا عن الوقود الأحفوري

لعل من أهم مخرجات كوب دبي هو الاتفاق على بدء مناقشات حول “خارطة طريق للانتقال بعيدا عن الوقود الأحفوري”. لكن عوض الاستمرار في هذا الاتجاه أو العمل على إعداد هذه الخارطة، صدم المهتمون والمتتبعون أولا بغياب مصطلح “الوقود الأحفوري” من النص النهائي، وثانيا باقتراح البرازيل المتمثل في مبادرة خارج منظومة الأمم المتحدة لإعداد خارطة طريق طوعية للانتقال من الوقود الأحفوري، وأخرى لحماية الغابات. وكان هذا الاقتراح حلا وسطا لإنقاذ القمة من الفشل الذريع، بحيث لم تستطع أكثر من 80 دولة طالبت بخارطة طريق واضحة للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري إقناع جبهة الرافضين للقرار.

وهذا الإصرار على استمرار إنتاج واستهلاك الوقود الأحفوري يتناقض مع الواقع الذي يتمثل في بعض التقدم في الانتقال الطاقي؛ فلأول مرة تجاوز إنتاج الطاقة المتجددة إنتاج الفحم، كما أن الاستثمارات في الطاقة النظيفة تضاعفت ووصلت إلى تريليوني دولار سنويا، بالإضافة إلى الانتشار الواسع للسيارات الكهربائية في كل بقاع العالم بما في ذلك الدول الملوِّثة الكبرى كالصين والهند.

4- إسقاط خارطة طريق لوقف إزالة الغابات

من مفاجآت القمة أيضا خلو النص النهائي للمؤتمر من أي قرار يتعلق بوقف إزالة الغابات، مع العلم أن البرازيل الدولة المضيفة كانت هي صاحبة المبادرة لاتخاذ هذا القرار، بل إن اختيار مدينة بيليم لاحتضان الكوب 30 كان في هذا الاتجاه بحكم أنها تقع في بوابة غابة الأمازون. وسيتم الاكتفاء—كما هو الأمر بالنسبة للوقود الأحفوري—بإحداث لجنة علمية برئاسة البرازيل تعمل خارج المنظومة الأممية حتى لا تكون نتائج عملها ملزمة، على أن تعرض هذه النتائج في الكوب 31.

ومن المعلوم أن اجتثاث الغابات يساهم هو أيضا في انبعاثات الكربون، لأن الغابات تقوم بدور هام في امتصاص الغازات الدفيئة، حيث يمكنها امتصاص 200 طن من الكربون لكل هكتار.

وكانت البرازيل قد اقترحت إنشاء صندوق لحماية الغابات المطيرة بقيمة 125 مليار دولار، تساهم دول العالم في تمويله. ومع ذلك فقد تعهدت بعض الدول بدعم المجتمعات التي تحمي الغابات بحوالي 5.5 مليارات دولار.

ثانيا: انكشاف لوبيات المناخ في قمة بيليم

في جميع القمم السابقة للمناخ كانت تبرز لوبيات جديدة للمناخ، لكن لم يكن بروزها واضحا، كما أن نشاطها لم يكن قويا. بينما في الكوب 30 أصبحت اللوبيات مكشوفة ولا تتستر، ويمكن تحديدها في أربعة لوبيات أساسية، وهي:

1- لوبي الوقود الأحفوري

هو الأقوى، بحيث نجح في إخراج النص النهائي كما يريد، وكان يقود هذا اللوبي كل من: الصين والهند وروسيا والسعودية.

ومن المفارقات العجيبة أنه في قمة المناخ التي تعمل على تخفيض الانبعاثات التي تسببها بنسبة كبيرة الأنشطة البشرية المستعملة للوقود الأحفوري، كان أغلب المشاركين في الكوب 30 من ممثلي الدول المنتجة له والمستهلكة له بكثرة، والشركات العاملة في قطاع المحروقات وتلك المرتبطة بها، ومنظمات المجتمع المدني التابعة لهذا اللوبي. بحيث شارك في هذا الكوب أكثر من 1600 شخص يمثلون هذا اللوبي من أصل 56 ألف مشارك. بينما لم يتمكن من الحصول على تصاريح لحضور الكوب كملاحظين سوى 360 شخصا من السكان الأصليين الذين يعيشون في الغابات المطيرة.

2- لوبي الاتحاد الأوروبي

يعد الاتحاد الأوروبي كذلك من أهم اللوبيات في قمة المناخ، لكنه مني بهزيمة كبيرة أمام لوبي الوقود الأحفوري، حيث فشل في انتزاع تعهد صريح من الدول المشاركة في القمة بشأن التخلص من الوقود الأحفوري، ولم يستطع حتى إقناع عدد من الدول النامية للوقوف معه.

والسبب في عدم تحالف الدول النامية مع الاتحاد الأوروبي في موضوع التخلص التدريجي من استعمال الوقود الأحفوري، هو موقف الاتحاد المتخاذل في موضوع دعم التكيف؛ لأنه من جهة يعطي الأولوية للتقليص من انبعاثات الغازات الدفيئة، ومن جهة ثانية لأن بنوكه هي المستفيدة من القروض الموجهة لتمويل مشاريع التكيف في الدول النامية.

3- لوبي الدول النامية

كانت الدول الجزرية والدول النامية عموما في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تتكتل دائما بقيادة الصين في كل قمم المناخ السابقة، وهذا التكتل أو التحالف هو ما يعرف بـ مجموعة الـ77 والصين، والذي ارتفع عدد الدول المتحالفة فيه إلى 134 دولة، بما في ذلك القوى الصاعدة كالصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا.

لكن هذا التحالف لم يستطع أن يشكل لوبيا قويا لحد الآن، بالرغم من كونه يضم أغلب الدول المشاركة في الكوب، وبالرغم من كون هذه الدول هي الأكثر تضررا من آثار التغيرات المناخية ولم تكن مسؤولة عن هذه التغيرات المناخية.

فمثلا، قطاع الزراعة في إفريقيا من القطاعات الأكثر تضررا من التغيرات المناخية، وهو قطاع مهم وأساسي في هذه المنطقة، بحيث يشغل ثلثي اليد العاملة ويساهم بما بين 30 و40 بالمائة في الناتج الداخلي الخام.

4- لوبي الغابات المطيرة الكبرى

هذا اللوبي لا يزال في بداياته، وتقوده البرازيل، وهو يطالب العالم، خصوصا الدول الغنية، بالمساهمة في حماية وإنقاذ “رئة العالم”، المتمثلة في الغابات المطيرة الكبرى. ويطالب بدعم ساكنة هذه الغابات وتمويل المشاريع البديلة عن مشاريع الاستغلال الغابوي.

هذا اللوبي أيضا مني بالفشل في الكوب 30، وقبل انعقادها بأيام، من خلال المبادرة الأوروبية كما أوضحنا سابقا.

ثالثا: أمريكا والصين هما المؤثران فعليا في قضايا المناخ

تعد الصين الدولة الأكبر في انبعاثات الغازات الدفيئة المتسببة في التغيرات المناخية بنسبة 31.5 بالمائة من مجمل الانبعاثات، متبوعة بالولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 11 بالمائة. فالدولتان معا تساهمان بأكثر من خمسي الانبعاثات العالمية، وهي نفس النسبة تقريبا من مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وفي نظري، أن البلدين يشكلان اللوبي الأقوى، ولكن في الخفاء؛ تحركان دولا أخرى ولوبيات أخرى وتتحكمان فيها.

1- الصين: الحاضر المؤثر في قرارات الكوب 30

بخلاف الولايات المتحدة الأمريكية، لم تغادر الصين اتفاق باريس، بل بالعكس أصبح لها دور كبير داخل الكوب والملتقيات المناخية الأخرى. وأصبحت الفاعل الرئيسي في السياسات المناخية والمشاريع المناخية، والمؤثر الرئيسي في قمم المناخ. فهي ضمن لوبي الوقود الأحفوري، وتتزعم لوبي الدول النامية، ولا تتعارض مواقفها كثيرا مع اللوبي الأوروبي.

فمساهمات الصين المحددة وطنيا لعام 2025 تستهدف خفض صافي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة تتراوح بين 7% و10% مقارنة بذروة الانبعاثات على مستوى اقتصادها. وتلتزم بالوصول إلى الحياد الكربوني عام 2060 بدل 2050 المنصوص عليه في اتفاق باريس.

ويمكن القول إن الصين أصبحت اليوم عملاقا في المشاريع المناخية، ومن المشاريع العملاقة تشجيرها ما بين عام 2012 و2024 مساحة من الأراضي تعادل أكثر من ضعفي مساحة ألمانيا. وتستثمر أكثر من مجموع دول العالم في الطاقات المتجددة، بل أصبحت القوة المهيمنة في سوق الطاقة النظيفة عالميا. وهي من أكبر الممولين للدول النامية، خصوصا تمويل مشاريع الطاقة الشمسية في الدول الإفريقية.

لكن في الوقت ذاته، لا تزال الصين تستثمر في مشاريع الفحم، على أن حصة الوقود الأحفوري في مزيج الطاقة انخفضت من الثلثين إلى أقل من النصف في 10 أعوام فقط.

2- الولايات المتحدة الأمريكية: الحاضر الغائب في قمة بيليم

بعد قرار الرئيس ترامب مغادرة الولايات المتحدة الأمريكية اتفاق باريس في عام 2020 ثم مجددا في ولايته الثانية، وغيابها بوفد رسمي في قمم المناخ، مع وجود وفود أمريكية تحضر باستمرار بصفة غير رسمية، فإنه لا توجد مساهمات محددة وطنيا لأمريكا، ولو كانت لساهمت كثيرا في تخفيض معدلات الاحترار. بل إن الرئيس ترامب وصف التغيرات المناخية بأنها “الخدعة الكبرى”.

ففي عام 2015 التزمت الولايات المتحدة بخفض انبعاثاتها بنسبة 26–28٪ بحلول عام 2025 مقارنة بمستويات 2005، وفي عام 2021 التزمت بنسبة 50–52٪ بحلول عام 2030.

ولم تكتف الإدارة الأمريكية بالانسحاب من اتفاق باريس، بل أصبحت تشجع—من خلال بعض الخبراء ووسائل الإعلام—نشر أخبار ومعطيات تدعم نظرية تكذيب التغيرات المناخية.

لذلك وقّعت 12 دولة، منها: البرازيل، كندا، تشيلي، الدنمارك، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، إسبانيا، السويد، أوروجواي، هولندا، وبلجيكا، يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إعلان النزاهة المعلوماتية حول المناخ، وهو التزام رسمي لمكافحة التضليل المناخي. وهو يطالب الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية بما يلي:

– تعزيز وصول الجمهور إلى معلومات دقيقة وشفافة عن التغير المناخي.

– دعم الإعلام المستقل والموثوق لتعزيز النزاهة المعلوماتية.

– محاربة الهجمات على العلوم البيئية والصحافة المتخصصة.

ولكن، ورغم غيابها عن الكوب 30، كانت الولايات المتحدة الأمريكية حاضرة بشكل غير مباشر، من خلال لوبي الوقود الأحفوري أساسا.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق