عاد ملف سامير إلى واجهة النقاش الاقتصادي بالمغرب، بعدما رفضت المحكمة التجارية بالدار البيضاء العرض الإماراتي الرامي إلى الاستحواذ على أصول المصفاة المتوقفة عن الإنتاج منذ سنوات. العرض، الذي قدرت قيمته بنحو ثلاثة فاصل خمسة مليارات دولار، كان ينظر إليه باعتباره فرصة محتملة لإعادة تشغيل المنشأة الوحيدة لتكرير النفط في البلاد، غير أن القرار القضائي أعاد الملف إلى نقطة الانتظار وطرح من جديد أسئلة عميقة حول مستقبل التكرير الوطني.
خلفية القرار القضائي
تخضع سامير منذ سنة 2016 لمسطرة التصفية القضائية عقب تراكم ديون ثقيلة وتوقف النشاط الفعلي منذ 2015. وخلال هذه الفترة، توالت محاولات التفويت، غير أن العروض المقدمة لم تستوف الشروط القانونية والمالية المطلوبة. واعتبرت المحكمة أن العرض الأخير لم يقدم الضمانات الكافية من حيث وضوح مصادر التمويل، وجدولة السداد، وخطة إعادة التشغيل، إضافة إلى حماية حقوق الدائنين، وهو ما دفعها إلى ترجيح كفة التحوط القانوني على حساب الاستعجال الاستثماري.
أهمية سامير في معادلة الأمن الطاقي
تمثل سامير أكثر من منشأة صناعية عادية، فهي عنصر أساسي في معادلة الأمن الطاقي الوطني. منذ توقفها، يعتمد المغرب بشكل شبه كلي على استيراد المشتقات النفطية المكررة بدل تكرير النفط الخام محليا، الأمر الذي يجعل السوق الوطنية أكثر عرضة لتقلبات الأسعار الدولية ولسلاسل التوريد الخارجية. ولعل إعادة تشغيل المصفاة كانت ستمنح البلاد قدرة أكبر على ضبط الإمدادات، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتقليص كلفة بعض الواردات، فضلا عن إحياء مناصب الشغل وتحريك الأنشطة الصناعية المرتبطة بالطاقة والبتروكيماويات.
التحول الطاقي وسؤال الجدوى الاقتصادية
غير أن التحليل الاقتصادي يفرض قراءة أوسع للسياق الدولي، فالعالم يعيش تحولا متسارعا نحو الطاقات المتجددة وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهو ما يجعل الاستثمار في وحدات التكرير التقليدية محكوما بحسابات دقيقة تتعلق بالجدوى على المدى المتوسط والبعيد. ومع ذلك، فإن المرحلة الانتقالية الحالية ما تزال تعتمد بقوة على النفط، خاصة في النقل والصناعة، وهو ما يبقي مسألة التكرير مطروحة ضمن منطق السيادة الطاقية الواقعية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
في ضوء هذا التطور، يظل مستقبل سامير مفتوحا على عدة احتمالات، فقد يظهر عرض جديد أكثر صلابة من حيث التمويل والضمانات، وقد يطرح خيار شراكة بين القطاعين العام والخاص بصيغة محدثة تأخذ بعين الاعتبار التحولات الطاقية، كما قد يعاد التفكير في نموذج اشتغال المصفاة برمته ضمن رؤية صناعية أوسع. وفي جميع الحالات، فإن فشل الصفقة الإماراتية لا يمثل نهاية الملف، بل يشكل محطة مفصلية تعيد طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن للمغرب أن يوازن بين متطلبات الأمن الطاقي، وضغوط التحول الأخضر، وإكراهات السوق الدولية؟






















عذراً التعليقات مغلقة