غالبا ما يعرف التنوع البيولوجي بين الناس، بوصفه تنوعا في الكائنات النباتية والحيوانية والكائنات الدقيقة، لكنه يتعدى ذلك ليشمل الفروق الجينية داخل كل نوع كما هو الحال بين أصناف المحاصيل وسلالات الماشية، فضلا عن تنوع النظم البيئية، من البحيرات والغابات والصحاري إلى الأراضي الزراعية، حيث تتشابك أنماط الحياة وتتفاعل بين الإنسان والنبات والحيوان.
ويعتبر التنوع البيولوجي العمود الفقري للنظم البيئية السليمة، بداية من الغابات المطيرة التي تنظم المناخ، مرورا بالشعاب المرجانية التي تغذي المحيطات، وصولا إلى الميكروبات التي تخصب التربة.
التنوع البيولوجي في تراجع مستمر
تشير أحدث التقييمات الصادرة عن منظمات مثل الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة IUCN، والمنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي، وخدمات النظم الإيكولوجية IPBES، والصندوق العالمي للحياة البرية WWF، إلى استمرار التدهور بوتيرة مقلقة في سنة 2025.
وكشف تقرير الكوكب الحي الصادر عن الصندوق العالمي للحياة البرية، أن أعداد الحيوانات البرية تراجعت بمعدل 69% منذ العام 1970، خاصة في المناطق الاستوائية.
وذكر الصندوق العالمي للحياة البرية أن أكثر من 150 ألف نوع على القائمة الحمراء للأنواع المهدّدة بالانقراض، منها أكثر من 42 ألفا معرضة لخطر الانقراض في البريّة.
ويظل استخدام الإنسان للأرض المحرك الرئيسي لفقدان التنوع البيولوجي، حيث غير النشاط البشري أكثر من 70% من جميع الأراضي.
ويظل تغير المناخ العامل البارز في تدهور التنوع البيولوجي، بعدما أدى إلى تغيير النظم الإيكولوجية البحرية والبرية والمياه العذبة في جميع أنحاء العالم. كما تسبب في فقدان الأنواع المحلية وزيادة الأمراض ودفع الموت الجماعي للنباتات والحيوانات، مما أدى إلى حدوث أول انقراض مدفوع بالمناخ.
وأفادت منظمة الأمم المتحدة بأن زيادة الحرارة بواقع 1.5 درجة مئوية يؤدي إلى فقدان 4% من الثدييات بحوالي نصف مواطنها الطبيعية، كما تؤدي زيادة الحرارة بواقع أكثر من درجة مئوية واحدة إلى فقدان 4% من الثدييات بحوالي نصف مواطنها الطبيعية. أما زيادة الحرارة بواقع أكثر من 3 درجات مئوية فتؤدي إلى فقدان 4% من الثدييات بحوالي نصف مواطنها الطبيعية.
دور التنوع البيولوجي في تحقيق الأمن الغذائي
إن فقدان التنوع البيولوجي يشكل تهديدا مباشرا على القدرة في إطعام وإشباع سكان العالم، فهو لا يشمل فقط النباتات والحيوانات التي نأكلها ونستخدمها في إنتاج الأعلاف والوقود والألياف، وإنما يشمل أيضا عددا لا يحصى من الكائنات الحية التي تدعم إنتاج الغذاء، مثل الخنافس والديدان والكائنات الدقيقة التي تحافظ على خصوبة التربة، والحشرات والطيور التي تساهم في تلقيح المحاصيل وتسيطر على الآفات، والحيوانات والنباتات التي تغذي الأسماك التي نستخرجها، والأشجار والنباتات التي تنقي المياه وتلطف الجو.
ويساهم التنوع البيولوجي بطرق عديدة في استقرار الإمدادات الغذائية، إذ أن أنواعا مختلفة من النباتات والحيوانات قادرة على توفير الأمن الغذائي في أوقات مختلفة من السنة، وفي ظل ظروف بيئية مختلفة بعضها مهيأ بشكل خاص للتعامل مع تهديدات مثل الطقس الحار أو الجاف أو تفشي الآفات أو الأمراض.
وتلعب النظم الإيكولوجية بأكملها دورا كبيرا عن طريق الحد من مخاطر الفيضانات أو العواصف أو من خلال توفير موائل مختلفة. كما يؤدي حفظ التنوع البيولوجي إلى استخدامه في مواجهة التحديات المستقبلية غير المتوقعة.
دعوة عالمية لحماية التنوع البيولوجي
تواصل مجموعة من الأنواع رحلتها نحو الانقراض، مشكلة بذلك خللا في المنظومة البيئية مما ينعكس على استدامة هذه الموارد الطبيعية وضمان استمراريتها.
وفي هذا الإطار دعا أنطونيو ݣوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للتنوع البيولوجي 2025، إلى إعادة النظر في الطريقة التي ننتج ونستهلك ونقدر بها الطبيعة، مشيرا إلى ضرورة تنفيذ إطار كونمينغ – مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، وهو الخطة العالمية لوقف فقدان التنوع البيولوجي وعكس مساره، من خلال سياسات وأنظمة وحوافز أخرى تدعم سبل العيش المستدامة وتبني اقتصادات خضراء قوية.
وعقدت منظمة الأغذية والزراعة اجتماعا في فبراير 2025 بروما، وكان بمثابة فرصة للمجتمع العالمي لتحديد مسار صون التنوع البيولوجي واستخدامه المستدام في السنوات القادمة، ليس على المستوى العالمي فحسب، وإنما أيضا على المستويين الوطني والمحلي.
وأبرز الاجتماع دور التمويل العالمي في النهوض بقضية التنوع البيولوجي، من خلال تعبئة 200 مليار دولار أمريكي سنويا بحلول 2030، وهو الحد الأدنى من الاستثمار المطلوب لإحداث تغيير حقيقي في مسار التنوع البيولوجي.





















عذراً التعليقات مغلقة