93% من النسيج الاقتصادي المغربي: لماذا تعد المقاولات العائلية مفتاح الانتقال الأخضر؟

ECO179 يونيو 2026
93% من النسيج الاقتصادي المغربي: لماذا تعد المقاولات العائلية مفتاح الانتقال الأخضر؟

تشكل المقاولات العائلية أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد المغربي. فبحسب معطيات حديثة متداولة عن المعهد المغربي للمقاولة العائلية، تمثل هذه المقاولات نحو 93% من النسيج المقاولاتي الوطني، وتوفر ما يقارب ثلثي مناصب الشغل في القطاع الخاص، كما تساهم بأكثر من 60% من القيمة المضافة الوطنية. غير أن أهمية هذه المقاولات لا تقتصر على دورها الاقتصادي والاجتماعي، بل تمتد أيضا إلى قدرتها على المساهمة في الانتقال نحو نموذج تنموي أكثر استدامة واحتراما للبيئة.

الاستدامة تبدأ من منطق الاستمرارية

تختلف المقاولات العائلية عن كثير من المقاولات الأخرى في كونها لا تشتغل بمنطق الربح السريع فقط، بل بمنطق الاستمرارية عبر الأجيال. فصاحب المقاولة العائلية لا يفكر عادة في نتائج السنة الجارية فحسب، وإنما في مستقبل المشروع الذي يأمل أن ينتقل إلى أبنائه وأحفاده.

هذا البعد الزمني الطويل يجعل الاستثمار في الحفاظ على الموارد الطبيعية وترشيد استهلاك الماء والطاقة وتحسين صورة المؤسسة البيئية خيارا منطقيا، لأن استنزاف الموارد اليوم قد يهدد استمرارية النشاط الاقتصادي غدا.

الاقتصاد الأخضر لن ينجح دون المقاولات العائلية

يتجه المغرب خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الدائري وتقليص البصمة الكربونية للأنشطة الاقتصادية. غير أن نجاح هذه الاستراتيجيات يظل رهينا بمدى انخراط المقاولات الصغرى والمتوسطة والعائلية فيها، لأنها تشكل الغالبية الساحقة من النسيج الاقتصادي الوطني.

فالاستثمار في الطاقة الشمسية، واعتماد تقنيات الاقتصاد في الماء، وتقليص النفايات، وإعادة التدوير، وتحسين النجاعة الطاقية داخل الوحدات الإنتاجية، كلها إجراءات لا يمكن أن تحقق أثرا وطنيا ملموسا إذا ظلت محصورة في عدد محدود من الشركات الكبرى.

من الفلاحة إلى المنتجات المحلية

تتجلى أهمية المقاولات العائلية بشكل خاص في المجالات المرتبطة مباشرة بالموارد الطبيعية، مثل الفلاحة وتثمين المنتجات المجالية والصناعة الغذائية التقليدية وتربية النحل وإنتاج زيت الأركان والأعشاب الطبية والعطرية.

ففي هذه القطاعات يرتبط نجاح النشاط الاقتصادي بالحفاظ على التربة والمياه والتنوع البيولوجي. لذلك تصبح حماية البيئة جزءا من حماية مصدر الرزق نفسه. وكلما حافظت الأسر المنتجة على الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها، ازدادت فرص استمرار أنشطتها الاقتصادية على المدى الطويل.

تحدي انتقال الأجيال

رغم هذا الدور المحوري، تواجه المقاولات العائلية تحديا أساسيا يتمثل في انتقال المسؤولية بين الأجيال. فكثير من المشاريع الناجحة تتعثر عند انتقال القيادة من المؤسس إلى الأبناء أو الأحفاد بسبب غياب التخطيط المبكر أو ضعف آليات الحكامة.

غير أن هذا الانتقال لا يقتصر على نقل الملكية أو الإدارة فقط، بل يشمل أيضا نقل القيم والخبرات والثقافة المقاولاتية. واليوم يبرز سؤال جديد: هل تنتقل الثقافة البيئية بدورها بين الأجيال؟

فالجيل الجديد من المقاولين أصبح أكثر وعيا بقضايا المناخ والاقتصاد الأخضر والمسؤولية الاجتماعية للمقاولات، وهو ما قد يفتح المجال أمام دمج معايير الاستدامة بشكل أكبر داخل المقاولات العائلية المغربية.

نحو جيل جديد من المقاولات المستدامة

لم تعد الاستدامة مجرد خيار أخلاقي أو بيئي، بل أصبحت عنصرا من عناصر التنافسية الاقتصادية. فالمقاولات القادرة على ترشيد استهلاك الموارد وتقليص التلوث وتحسين أدائها البيئي ستكون أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية المقبلة.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى المقاولات العائلية باعتبارها مجرد مكون من مكونات الاقتصاد الوطني، بل باعتبارها شريكا أساسيا في بناء اقتصاد أخضر ومستدام. فحين تفكر الأسرة في مستقبل مشروعها عبر الأجيال، فإنها تفكر أيضا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مستقبل الموارد الطبيعية التي يقوم عليها هذا المشروع.

وفي زمن تتزايد فيه التحديات البيئية والمناخية، قد تصبح المقاولات العائلية أحد أهم الجسور التي تربط بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، وبين نجاح الحاضر وضمان حقوق الأجيال المقبلة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق