اعتمدت المفوضية الأوروبية، في 7 يوليوز الجاري، أول استراتيجية متكاملة للاتحاد الأوروبي بشأن تربية الماشية، بالتزامن مع خطة عمل خاصة بالبروتين. وتسعى المفوضية من خلال الوثيقتين إلى حماية قدرة أوروبا على إنتاج الغذاء، وتقليص تبعيتها للأعلاف المستوردة، وتحسين دخل المربين، مع الاستمرار في خفض الأثر المناخي والبيئي للإنتاج الحيواني.
ولا تمثل الاستراتيجية مجرد برنامج تقني لتحسين تربية الحيوانات، بل تعكس تحولا أوسع في السياسة الزراعية الأوروبية. فقد بدأت أوروبا تنظر إلى تربية الماشية باعتبارها قضية ترتبط بالأمن الغذائي والاستقلال الاستراتيجي واستقرار المناطق القروية، وليست مجرد مصدر للانبعاثات والتلوث. ويأتي هذا التحول في ظل تقلب أسعار الطاقة والأعلاف، وتزايد مخاطر الأمراض الحيوانية، وتأثير التغير المناخي، وتراجع أعداد الماشية في عدد من الدول الأوروبية.
قطاع استراتيجي بين الأمن الغذائي والضغوط المناخية
يمثل قطاع تربية الماشية نحو 40% من القيمة المضافة الزراعية في الاتحاد الأوروبي، ويحقق رقم معاملات سنويا يناهز 400 مليار يورو. كما يدعم حوالي 7 ملايين وظيفة عبر سلسلة القيمة، ويضم قرابة 4 ملايين مزرعة موزعة على مناطق أوروبية مختلفة، بما فيها المناطق الجبلية والجزر والمجالات القروية التي تفتقر إلى بدائل اقتصادية كثيرة. وبلغت صادرات الاتحاد الأوروبي من المنتجات الحيوانية نحو 53 مليار يورو سنة 2025، مقابل واردات تقدر بنحو 16 مليار يورو.
غير أن هذه الأهمية الاقتصادية لا تحجب هشاشة القطاع. فقد تراجعت أعداد عدد من أنواع الماشية خلال السنوات الأخيرة، فيما ضغط ارتفاع أسعار الطاقة والأعلاف والخدمات البيطرية على هوامش ربح المربين. وتشير الاستراتيجية، على سبيل المثال، إلى أن فرنسا فقدت 16 في المائة من قطيع الأبقار خلال عقد، بينما تراجع قطيع الخنازير في ألمانيا بنسبة 22 في المائة خلال الفترة نفسها.
ويواجه المربون، فضلا عن ذلك، ضعفا في قدرتهم التفاوضية أمام المصانع والموزعين، بينما لا تعكس الأسعار النهائية دائما التكاليف التي يتحملونها للامتثال إلى القواعد الأوروبية المتعلقة بسلامة الغذاء والرفق بالحيوان وحماية البيئة. ويهدد ضعف المردودية بخروج مزيد من المزارع العائلية من السوق، خاصة مع تقدم المربين في السن وضعف الإقبال الشبابي على المهن الزراعية.
وفي المقابل، يظل الإنتاج الحيواني من أبرز مصادر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والأمونيا والتلوث بالمغذيات داخل القطاع الزراعي الأوروبي. ويؤدي التركيز المرتفع للماشية في بعض المناطق إلى تراكم السماد الطبيعي وتسرب النيتروجين والفوسفور إلى التربة والمياه، في حين تساهم أنظمة الرعي الواسع في مناطق أخرى في صيانة المراعي وحماية التنوع البيولوجي والحد من هجر الأراضي القروية.
وهنا تكمن المعضلة التي تحاول الاستراتيجية معالجتها: فليس كل إنتاج حيواني متشابها من الناحية البيئية. وتختلف آثار مزرعة صناعية كثيفة تعتمد على أعلاف مستوردة عن آثار نظام رعوي يستثمر المراعي الطبيعية ويحافظ على الغطاء النباتي. لذلك تتجه المفوضية إلى التمييز بين أنماط الإنتاج، بدلا من إخضاع جميع المربين للمقاربة نفسها.
خمس أولويات لإعادة بناء تربية الماشية في أوروبا
تنظم الاستراتيجية إجراءاتها حول خمس أولويات مترابطة، تبدأ ببناء قطاع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات. وتقترح المفوضية تطوير آلية مالية خاصة بتدبير مخاطر تربية الماشية، وضمان تمويل الوقاية من الأمراض الحيوانية ومراقبتها والقضاء عليها، وتشجيع التقنيات الرقمية لتحسين صحة الحيوانات ورفاهها، إلى جانب دعم الاستثمارات المرتبطة بالتكيف المناخي والابتكار.
وتتعلق الأولوية الثانية بتقوية التنافسية، من خلال معالجة فجوة تمويل الاستثمارات البيئية، وترويج المنتجات الحيوانية الأوروبية في الأسواق الدولية، ومطالبة المنتجات المستوردة باحترام شروط متكافئة ومتوافقة مع قواعد منظمة التجارة العالمية. وتسعى المفوضية إلى تفادي وضع يتحمل فيه المنتج الأوروبي تكاليف معايير مرتفعة، ثم ينافس منتجات مستوردة تخضع لشروط أقل صرامة.
أما الأولوية الثالثة، فتهم الاستدامة. وتعتزم المفوضية إعداد منهجية أوروبية موحدة لقياس انبعاثات مزارع الماشية، وإحداث أداة تساعد المربين على تقييم أدائهم البيئي، ومراجعة بعض قواعد الرفق بالحيوان، ووضع خريطة طريق لتحسين تداول المغذيات والأسمدة العضوية بين المناطق الأوروبية. ولا تهدف هذه الإجراءات إلى قياس الانبعاثات فقط، بل إلى تحويل الأداء البيئي إلى عنصر يمكن مكافأته ماليا وتسويقيا.
وتعترف الأولوية الرابعة بالتنوع الترابي، إذ تقترح دعم استعادة الإنتاج في المناطق المهددة بهجر الأراضي، وتحسين الوصول إلى المجازر والبنيات المحلية، ومساندة أنظمة التربية التي تحافظ على النشاط الاقتصادي والاجتماعي في المناطق النائية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية يقدر أن نحو 11 في المائة من الأراضي الزراعية الأوروبية قد تواجه خطر الهجر بحلول سنة 2030، مع تركيز ملحوظ في المناطق الجبلية.
وتتمثل الأولوية الخامسة في إبراز جودة النموذج الأوروبي للإنتاج الحيواني. ولهذا تقترح الاستراتيجية تطوير إشارات اختيارية توضح طرق الإنتاج، وتعزيز بيان المنشأ الأوروبي، وتقوية ثقة المستهلك، حتى يحصل المربي على مقابل اقتصادي للالتزام بمعايير الجودة والسلامة والاستدامة والرفق بالحيوان.
ويكشف هذا المحور أن المفوضية لا تريد أن تقوم المنافسة على خفض الأسعار وحده، بل تسعى إلى بناء سوق يمنح قيمة تجارية للمعايير البيئية والاجتماعية. غير أن نجاح هذه المقاربة سيعتمد على استعداد المستهلك لدفع سعر أعلى، وعلى قدرة الاتحاد الأوروبي على منع الادعاءات البيئية المضللة، وضمان أن تستفيد المزارع فعليا من القيمة المضافة.
الأعلاف والاستقلال الاستراتيجي.. أين يقف المغرب؟
يمثل ملف الأعلاف أحد أكثر أبعاد الاستراتيجية حساسية. فالقطاع الحيواني الأوروبي يستخدم نحو 74 مليون طن من البروتين سنويا في تغذية الحيوانات، ويعتمد بدرجة كبيرة على واردات المواد الغنية بالبروتين، وخاصة الصويا. وتوضح المفوضية أن 74% من البذور الزيتية والمحاصيل البروتينية المستعملة في الاتحاد تأتي من الخارج، بينما تتركز أغلب تجارة الصويا العالمية في عدد محدود من الدول.
ولهذا أطلقت بروكسيل خطة البروتين بالتوازي مع استراتيجية الماشية، وحددت هدفا يتمثل في رفع حصة البروتين المستخرج من البذور الزيتية والمحاصيل البروتينية المنتجة داخل الاتحاد والمستخدمة في الأعلاف من 25.8% إلى 35% بحلول 2035. وتشمل الأدوات المقترحة دعم زراعة القطاني والصويا والمحاصيل الملائمة للظروف المحلية، وتطوير قدرات التخزين والتحويل، وتحسين التكامل بين المراعي وتربية الماشية، والاستثمار في البحث العلمي.
ولا يعني هذا التوجه أن أوروبا ستتوقف عن الاستيراد، بل إنها تسعى إلى تقليص المخاطر الناتجة عن التركيز الجغرافي للموردين وتنويع مصادر التموين. فالاستقلال الاستراتيجي في هذا السياق لا يعني الاكتفاء الذاتي الكامل، وإنما امتلاك قدرة أكبر على مواصلة الإنتاج عند حدوث أزمة سياسية أو مناخية أو تجارية.
وقد تحمل هذه السياسة انعكاسات غير مباشرة على المغرب. فمن جهة، قد يؤدي ارتفاع إنتاج المحاصيل البروتينية داخل أوروبا إلى تقليص بعض فرص التصدير المتاحة للموردين الخارجيين. ومن جهة أخرى، يمكن أن تفتح سياسة تنويع الواردات فرصا أمام دول الجوار الأوروبي القادرة على تقديم منتجات زراعية قابلة للتتبع وتحترم معايير الاستدامة.
كما يرجح أن ترفع أوروبا تدريجيا شروط دخول المنتجات الحيوانية إلى سوقها، خاصة في ما يتعلق بالرفق بالحيوان والانبعاثات وتتبع المنشأ واستعمال الأعلاف والأدوية البيطرية. وتشير الاستراتيجية بالفعل إلى إدخال شروط تكافؤ متوافقة مع قواعد منظمة التجارة العالمية بالنسبة إلى المنتجات المستوردة. وهذا يعني أن المنتجين والشركات المغربية قد يواجهون مستقبلا متطلبات تقنية وبيئية أكثر دقة، إلى جانب الشروط الصحية المعمول بها حاليا.
وتقدم التجربة الأوروبية، في الوقت نفسه، درسا مهما للمغرب الذي يواجه بدوره آثار الجفاف وارتفاع تكلفة الأعلاف وتدهور المراعي وتراجع القطيع. فاستدامة تربية الماشية لا تتحقق عبر دعم الأعلاف المستوردة وحده، بل تحتاج إلى سياسة تربط بين الموارد المائية والمراعي المحلية والصحة الحيوانية والبحث الزراعي وتنظيم الأسواق وحماية دخل الكسابة.
تعكس الاستراتيجية الأوروبية الجديدة محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنتاج الحيواني والبيئة. فهي لا تدعو إلى الدفاع عن القطاع بصورته الحالية، ولا إلى تقليصه بصورة عشوائية، بل تسعى إلى توجيهه نحو أنظمة أكثر قدرة على الصمود وأقل اعتمادا على الخارج وأكثر احتراما للموارد الطبيعية.
غير أن الاختبار الحقيقي سيبدأ عند تنفيذ التدابير وتمويلها. فإذا تحمل المربون وحدهم كلفة الانتقال البيئي، فقد تتسارع وتيرة إغلاق المزارع وتركيز الإنتاج في منشآت كبرى. أما إذا ربط الاتحاد الأوروبي الدعم العمومي بنتائج بيئية قابلة للقياس، وضمن سعرا عادلا للمنتج، فقد تتحول الاستراتيجية إلى نموذج يوفق بين الأمن الغذائي والاستدامة والتنمية القروية.




















عذراً التعليقات مغلقة