في الوقت الذي تتزايد فيه الفيضانات وموجات الحر نتيجة تغير المناخ، اختارت هولندا التخلي تدريجيا عن فكرة تصريف مياه الأمطار بأسرع وقت ممكن، واعتمدت فلسفة جديدة تقوم على الاحتفاظ بالمياه داخل المدينة والاستفادة منها. ويعرف هذا التوجه عالميا باسم المدن الإسفنجية، وهو نموذج أصبحت مدن هولندية مثل روتردام وأمستردام من أبرز رواده.
من الإسفلت إلى المدن الإسفنجية
اعتمدت المدن لعقود طويلة على شبكات الصرف الصحي والإسفلت غير المنفذ للمياه، وهو ما يجعل مياه الأمطار تتدفق بسرعة نحو المجاري، مسببة في كثير من الأحيان فيضانات حضرية عند هطول أمطار غزيرة.
أما المدن الإسفنجية، فتسعى إلى محاكاة الطبيعة. فبدلا من طرد المياه، تعمل على امتصاصها وتخزينها وإعادتها تدريجيا إلى التربة أو استخدامها لاحقا. ولهذا الغرض تستعمل الأرصفة النفاذة للمياه، والحدائق المطرية، والأسطح الخضراء، والأحواض المائية، والمساحات النباتية التي تسمح للمياه بالتسرب نحو باطن الأرض.
وتعد روتردام إحدى أكثر المدن عرضة لمخاطر الفيضانات، إذ تقع أجزاء واسعة منها تحت مستوى سطح البحر. ولهذا لم تكتف المدينة ببناء السدود، بل وضعت استراتيجية شاملة لإعادة تصميم الأحياء والشوارع حتى تصبح جزءا من منظومة إدارة المياه، من خلال إنشاء “ساحات مائية” تتحول إلى خزانات مؤقتة أثناء الأمطار، وشوارع قادرة على توجيه المياه وتخزينها مؤقتا، إلى جانب توسيع المساحات الخضراء.
وفي أمستردام، أطلقت السلطات برنامج “أمستردام راين بروف” الذي يشجع السكان والمؤسسات والشركات على جعل المباني والأحياء أكثر قدرة على التعامل مع الأمطار الغزيرة، عبر اعتماد الأسطح الخضراء والزرقاء، والأرصفة النفاذة، والحدائق المنزلية التي تخزن مياه الأمطار وتعيد استخدامها أو تصرفها تدريجيا.
فوائد تتجاوز مواجهة الفيضانات
لا تقتصر مزايا المدن الإسفنجية على الحد من الفيضانات، بل تمتد إلى تحسين البيئة الحضرية بأكملها. فالمياه التي تتسرب إلى التربة تساهم في إعادة تغذية المياه الجوفية، بينما تساعد الأشجار والنباتات على خفض درجات الحرارة من خلال التبخر والظل، وهو ما يحد من ظاهرة “الجزر الحرارية” التي تجعل المدن أكثر سخونة من المناطق المحيطة بها بعدة درجات.
كما تساعد هاته الحلول في تحسين جودة الهواء، وتعزيز التنوع البيولوجي، ورفع جودة الحياة داخل المدن.
وتكمن خصوصية التجربة الهولندية في أنها لم تعتبر إدارة مياه الأمطار مجرد قضية هندسية، بل جعلتها جزءا من التخطيط الحضري والتكيف مع تغير المناخ. ولذلك انتقلت البلديات الكبرى، وعلى رأسها أمستردام وروتردام وأوترخت، من سياسة تقوم على التخلص السريع من المياه إلى سياسة تعتمد على الاحتفاظ بها داخل المدينة والاستفادة منها.
هل يمكن أن تستفيد المدن المغربية من التجربة؟
رغم اختلاف الظروف المناخية، فإن بعض عناصر هذا النموذج تبدو مناسبة للمدن المغربية، خاصة تلك التي تشهد فيضانات مفاجئة بعد الأمطار، مثل الدار البيضاء وطنجة وتطوان، أو التي تعاني في الوقت نفسه من ندرة المياه.
فزيادة المساحات الخضراء، واعتماد الأرصفة النفاذة في بعض المشاريع الجديدة، وإنشاء حدائق مطرية وأحواض لتجميع مياه الأمطار، قد يساهم في الحد من الفيضانات المحلية، وإعادة تغذية الفرشات المائية، وتقليل استهلاك المياه الصالحة للشرب في سقي المساحات الخضراء.
وبذلك، لا تقدم هولندا وصفة جاهزة، بل تقدم فلسفة جديدة في تصميم المدن، تقوم على التعامل مع مياه الأمطار باعتبارها موردا يجب استثماره، لا مشكلة يجب التخلص منها.




















عذراً التعليقات مغلقة