هل تجاوز المغرب أزمة الجفاف، أم دخل فقط مرحلة جديدة من تدبير ندرة لمياه ؟
شهد المغرب خلال الأشهر الأخيرة تحسنا ملحوظا في موارده المائية بعد تساقطات مطرية وثلجية مهمة أنهت سبع سنوات متواصلة من الجفاف، ورفعت بشكل واضح نسبة ملء السدود، وأعادت الحياة إلى العديد من الأحواض المائية والفرشات الجوفية. وقد أعلن وزير التجهيز والماء، في يناير 2026، أن المملكة تجاوزت مرحلة الجفاف، بينما أكدت المعطيات الرسمية استمرار تحسن المخزون المائي خلال الأشهر اللاحقة.
غير أن هذا التحسن، على أهميته، لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة المائية. فالخبراء يعتبرون أن المغرب لا يواجه فقط سنوات جافة متفرقة، بل يعيش منذ عقود تحت ضغط الإجهاد المائي الهيكلي الناتج عن التغيرات المناخية، وتزايد الطلب على المياه، وتراجع الموارد الطبيعية المتاحة. لذلك فإن موسما مطيرا واحدا، مهما كان استثنائيا، لا يكفي لإعادة التوازن إلى منظومة مائية تعرضت لضغوط متراكمة على مدى سنوات.
مؤشرات مشجعة… لكن بحذر
لا شك أن الأمطار الأخيرة حملت معها مكاسب مهمة؛ فقد ارتفعت نسبة ملء السدود بشكل غير مسبوق مقارنة بالسنة الماضية، كما استعادت عدة أنهار ومجاري مائية تدفقها، وتحسن الموسم الفلاحي، واستفاد الغطاء النباتي والمراعي من هذه الظروف، مما خفف الضغط على مربي الماشية وساهم في إنعاش النشاط الزراعي. وتشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة ملء السدود بلغت أكثر من 75% في مطلع يونيو 2026، وهو أعلى مستوى منذ سنوات.
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا ينبغي أن تدفع إلى التراخي، لأن الموارد المائية في المغرب ما تزال رهينة تقلبات مناخية أصبحت أكثر حدة وتكرارا.
منطق جديد لتدبير الماء
كشفت موجات الجفاف المتعاقبة التي عرفها المغرب، منذ الجفاف الحاد الممتد من بداية الثمانينيات إلى منتصفها، أن الاعتماد التقليدي على التساقطات المطرية وحده لم يعد كافيا لضمان الأمن المائي. ورغم أن سياسة السدود، التي شكلت لعقود ركيزة أساسية في تعبئة الموارد المائية وحماية المدن والقرى من الفيضانات وتزويد الفلاحة والمراكز الحضرية بالماء، حققت مكاسب مهمة، فإن توالي سنوات الجفاف وتراجع الواردات المائية وتوحل بعض الحقينات أبانت عن حدود هذا النموذج عندما لا يقترن بتدبير ترابي مندمج وبربط فعال بين الأحواض المائية.
ولهذا انتقل المغرب، خلال السنوات الأخيرة، إلى مقاربة أكثر تنوعا تقوم على تسريع بناء السدود، وتقوية الربط بين الأحواض، وتوسيع محطات تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وترشيد الاستهلاك في الفلاحة والمجال الحضري. ويعكس هذا التحول إدراكا متزايدا بأن الأمن المائي لم يعد رهينا بتخزين المياه فقط، بل أصبح مرتبطا بحسن توزيعها، وحماية الفرشات المائية، وتقليل الضياع، واعتماد فلاحة أكثر اقتصادا للماء.
التحدي الحقيقي يبدأ الآن
قد يكون المغرب قد تجاوز مرحلة الجفاف المناخي، لكنه لم يتجاوز بعد تحدي الندرة المائية. فالرهان اليوم لم يعد يتمثل في انتظار موسم ممطر جديد، بل في استثمار الوفرة الحالية لبناء نموذج أكثر مرونة في مواجهة التقلبات المناخية.
إن حماية المياه الجوفية، والحد من ضياع المياه في الشبكات، واعتماد فلاحة أكثر اقتصادا في استهلاك الماء، وتسريع التحول نحو الاقتصاد الدائري للمياه، أصبحت خيارات استراتيجية وليست مجرد تدابير ظرفية.
فالمطر قد ينقذ موسما، لكنه وحده لا يصنع أمنا مائيا دائما. وما سيحدد مستقبل المغرب المائي هو قدرته على تحويل هذا التحسن الظرفي إلى سياسة مستدامة تجعل من كل قطرة ماء موردا تتم إدارته بكفاءة، لا ثروة تستهلك دون حساب.




















عذراً التعليقات مغلقة