في الوقت الذي تبحث فيه العديد من الدول عن نباتات قادرة على مواجهة آثار التغير المناخي والجفاف المتزايد، يعود الاهتمام بنباتات محلية أثبتت قدرتها على التأقلم مع الظروف الصعبة عبر قرون طويلة. ومن بين هذه النباتات يبرز الضْرُو، المعروف علميا باسم Pistacia lentiscus، وهو نبات متوسطي يجمع بين القيمة البيئية والاقتصادية والتراثية، كما يحتل مكانة خاصة في الطب الشعبي بعدد من بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط.
نبات متجذر في البيئة المتوسطية
الضْرُو شجيرة دائمة الخضرة تنتمي إلى الفصيلة البطمية، وقد يتراوح ارتفاعها بين متر واحد وخمسة أمتار أو أكثر بحسب الظروف البيئية. تتميز بأوراقها الخضراء الكثيفة ورائحتها العطرية المميزة، كما تنتج ثمارا صغيرة تتحول من اللون الأحمر إلى الأسود عند النضج.
ينتشر هذا النبات طبيعيا في مختلف أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك المغرب والجزائر وتونس وليبيا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان وتركيا وعدد من بلدان الشرق الأوسط. وقد ارتبط اسمه عالميا بإنتاج “المستكة” أو “المصطكى”، وهي مادة راتنجية عطرية تستخرج من بعض أشجاره وتستعمل في الصناعات الغذائية والتقليدية.
أين يوجد الضْرُو في المغرب؟
يعد المغرب من البلدان التي تحتضن تجمعات طبيعية مهمة من نبات الضْرُو. وينتشر أساسا في المناطق ذات المناخ المتوسطي وشبه الجاف، خاصة في: الريف وسلسلة جبال الريف، الأطلس المتوسط، أجزاء من الأطلس الكبير، المناطق الساحلية للأطلسي والمتوسط، بعض مناطق سوس وكذا بغابات البلوط الفليني والعرعار والنظم البيئية المتوسطية المختلطة.
ويلاحظ وجوده بكثافة في عدد من الغابات والتلال الصخرية والمنحدرات الجافة، حيث ينجح في النمو رغم محدودية التساقطات وضعف خصوبة بعض الترب.
حليف مهم في مواجهة الجفاف والتصحر
أصبح الضْرُو يحظى باهتمام متزايد لدى الباحثين وخبراء الغابات بسبب قدرته الكبيرة على التكيف مع الظروف المناخية القاسية. فالنبات يتحمل فترات طويلة من الجفاف مقارنة بالعديد من الأنواع الأخرى، كما يستطيع النمو في الترب الفقيرة والصخرية.
ولهذا السبب تستعمله بعض برامج التشجير وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، حيث يساهم في: تثبيت التربة والحد من الانجراف، مقاومة التصحر، استعادة الغطاء النباتي في المناطق المتدهورة، توفير المأوى والغذاء لبعض أنواع الطيور والحيوانات البرية وتعزيز التنوع البيولوجي المحلي.
وترى العديد من الدراسات أن الاعتماد على الأنواع النباتية المحلية المتأقلمة، مثل الضْرُو، يعد أكثر استدامة من إدخال أنواع أجنبية قد تحتاج إلى كميات أكبر من المياه أو قد تؤثر في التوازنات البيئية المحلية.
الضْرُو في الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب
احتل الضْرُو مكانة مهمة في الطب التقليدي بعدد من بلدان البحر الأبيض المتوسط، بما فيها المغرب. فقد استعملت أوراقه وزيوته وراتنجه في وصفات شعبية متعددة توارثتها الأجيال.
ومن بين الاستعمالات التقليدية الأكثر شيوعا: دعم صحة الجهاز الهضمي، استعمالات مرتبطة بصحة الفم واللثة، بعض الوصفات الخاصة بالعناية بالجلد، استعمالات مرتبطة بالتئام الجروح البسيطة وتحضير بعض الزيوت التقليدية المستعملة محليا.
غير أن المختصين يؤكدون ضرورة التمييز بين الطب الشعبي والمعرفة الطبية الحديثة، فالدراسات العلمية أظهرت أن النبات يحتوي على مركبات ذات خصائص مضادة للأكسدة ومضادة لبعض الميكروبات والالتهابات في التجارب المخبرية، إلا أن ذلك لا يعني أن جميع الاستعمالات الشعبية مثبتة طبيا أو يمكن أن تعوض العلاج الطبي المعتمد.
من الشجرة إلى الزيت
في بعض المناطق المغاربية، يستخرج من ثمار الضْرُو زيت تقليدي يعرف بجودته وقيمته الغذائية. ويستعمل هذا الزيت في بعض الوصفات الغذائية المحلية، كما يحظى باهتمام متزايد من طرف الباحثين بسبب احتوائه على أحماض دهنية ومركبات طبيعية ذات قيمة غذائية.
ورغم أن إنتاجه يظل محدودا مقارنة بزيت الزيتون، فإنه يمثل موردا محليا يمكن أن يساهم في تثمين المنتجات الغابوية غير الخشبية وتنويع مصادر دخل الساكنة القروية.
مورد طبيعي يستحق الحماية
رغم قدرة الضْرُو على التكيف مع الجفاف، فإن هذا النبات ليس بمنأى عن التهديدات البيئية، فالحرائق والرعي المفرط وقطع الغطاء النباتي والتوسع العمراني غير المنظم تؤثر على بعض تجمعاته الطبيعية.
لذلك يدعو عدد من الباحثين إلى تعزيز برامج المحافظة على الأنواع النباتية المحلية، وتشجيع استعمالها في مشاريع التشجير واستصلاح الأراضي، خاصة في ظل التحديات التي يفرضها التغير المناخي على النظم البيئية المتوسطية.
مستقبل واعد لنبات من الماضي
قد يبدو الضْرُو مجرد شجيرة برية تنمو بصمت في الغابات والتلال المغربية، لكنه في الواقع يمثل نموذجا للنباتات التي يمكن أن تساعد على بناء مستقبل أكثر قدرة على التكيف مع ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة. فهو يجمع بين القيمة البيئية والاقتصادية والتراثية، ويذكرنا بأن بعض الحلول لمواجهة تحديات المستقبل توجد أحيانا في النباتات التي عاشت معنا منذ قرون.




















عذراً التعليقات مغلقة