رغم التراكم الكبير للأدلة العلمية التي تؤكد أن تغير المناخ واقع ملموس تقوده الأنشطة البشرية، ما يزال خطاب التشكيك حاضرا بقوة في الفضاء العام. لا يعكس هذا الحضور جدلا علميا حقيقيا بقدر ما يكشف عن بناء منظم للشك، يستعمل أدوات إعلامية وسياسية واقتصادية بهدف إرباك الرأي العام وتأخير الاستجابة المناخية.
ينطلق التشكيك غالبا من خلط متعمد بين طبيعة العلم القائمة على التطور والمراجعة، وبين الادعاء بغياب الحقيقة. فالعلماء يناقشون التفاصيل، ويحسنون النماذج، ويختلفون حول هوامش عدم اليقين، لكن المشككين ينقلون هذه النقاشات إلى الجمهور بوصفها دليلا على انهيار المعرفة العلمية نفسها. بهذا الأسلوب، يتحول الشك المنهجي، وهو عنصر أساسي في البحث العلمي، إلى أداة لتقويض الثقة في العلم.
تصف الباحثة في تاريخ العلوم ناومي أوريسكيس Naomi Oreskes هذه الممارسة بمفهوم “صناعة الشك”، حيث لا يكون الهدف تفنيد الأدلة، بل إطالة أمد الجدل العام. فبدل مواجهة آلاف الدراسات التي تؤكد الاحترار العالمي، يتم توجيه التركيز على أخطاء فردية أو دراسات معزولة، بحيث يتم تضخيم أثرها إعلاميا لتبدو وكأنها تمثل تيارا علميا وازنا.
يلعب التمويل دورا مركزيا في هذا البناء؛ فقد أظهرت دراسات أكاديمية وتقارير أوروبية مستقلة أن بعض شركات الطاقة الكبرى لعبت، خلال فترات سابقة، دورا غير مباشر في دعم أو تمويل شبكات فكرية ومنصات ضغط ساهمت في إرباك النقاش العمومي حول تغير المناخ. وتشير هذه التقارير إلى أن شركات مثل إيكسون موبيل وطوطال إينيرجيز، وجهت إليها انتقادات بسبب ما اعتبر فجوة بين الخطاب المعلن حول الالتزام المناخي، وبين ممارسات اتصالية أو استثمارية سابقة ساعدت على التقليل من خطورة الاحترار العالمي أو تأجيل تبني سياسات مناخية صارمة.
وتؤكد هذه المصادر أن هذا الدور لم يكن دائما مباشرا أو معلنا، بل اتخذ غالبا شكل تمويل مراكز أبحاث، أو دعم جماعات ضغط، أو إنتاج محتوى يشدد على عدم اليقين العلمي أو الكلفة الاقتصادية للتحول الطاقي. وفي السنوات الأخيرة، لاحظت تقارير أوروبية تحولا تدريجيا في خطاب عدد من هذه الشركات نحو تبني مفاهيم الانتقال الطاقي، غير أن الجدل ما يزال قائما بشأن مدى انسجام هذا التحول مع السياسات الاستثمارية الفعلية.
ويساهم الإعلام، في بعض الأحيان، في ترسيخ هذا التشكيك عبر ما يعرف بالتكافؤ الزائف. فعندما يقدم عالم مناخي ومشكك غير مختص على قدم المساواة باسم “التوازن”، يتلقى الجمهور رسالة مضللة مفادها أن الرأيين متكافئان علميا. هذا الأسلوب لا يعكس حقيقة أن الإجماع العلمي يقوم على آلاف الدراسات المراجَعة، بينما يعتمد التشكيك غالبا على آراء فردية أو مصادر غير محكمة.
توسع التشكيك، خلال السنوات الأخيرة، ليشمل الفضاء الرقمي أيضا؛ فقد أظهرت دراسات في علم النفس والاتصال أن المعلومات المضللة حول تغير المناخ تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستفيدة من الخوارزميات، ومن الخطاب العاطفي المرتبط بالخوف من الكلفة الاقتصادية للتحول البيئي. وبدل إنكار الاحترار صراحة، انتقل الخطاب إلى التقليل من خطورته، أو التشكيك في جدوى الحلول، أو تصوير السياسات المناخية كتهديد مباشر للمعيش اليومي.
في المقابل، تؤكد الهيئات العلمية الدولية، وعلى رأسها Intergovernmental Panel on Climate Change، أن الاحترار العالمي “لا لبس فيه”، وأن النشاط البشري هو العامل الرئيسي، منذ منتصف القرن العشرين. لا يعني هذا الإجماع توقف البحث، بل يعني اتفاقا واسعا حول الأساس العلمي الذي ينبغي أن تبنى عليه القرارات العمومية.
ولا يبقى التشكيك مسألة فكرية مجردة، بل يتحول إلى عامل مؤثر في السياسات، وكل تأخير في الفعل المناخي يزيد المخاطر الصحية والغذائية والمائية، ويرفع كلفة التكيف مستقبلا. لذلك، فإن تفكيك خطاب التشكيك، وتعزيز الثقافة العلمية، ودعم إعلام مسؤول، تشكل عناصر أساسية لحماية النقاش العام وإعادة الاعتبار للعلم بوصفه مرجعية لاتخاذ القرار في مواجهة أحد أكبر تحديات العصر.






















عذراً التعليقات مغلقة