تقنية تحلية مياه البحر.. مستقبل المياه في ظل ندرتها

ECO174 يوليو 2025
تقنية تحلية مياه البحر.. مستقبل المياه في ظل ندرتها
ابراهيم بوكيوض

في سهل شتوكة بسوس، حيث يواجه المزارعون جفافا بنيويا للسنة الرابعة على التوالي، باتت الطماطم والخضر الأخرى تنضج بفضل مياه يضخها المحيط الأطلسي بعد تحليتها. فمنذ دخول محطة شتوكة حيز الخدمة سنة 2022 بطاقة يومية تناهز 125 ألف متر مكعب، أمنت هذه المنشأة سقي نحو 12 ألف هكتار، وأنقذت فلاحين من خسائر بالملايين بعد أن شارفوا على العجز عن تحمل كلفة الضخ التقليدي من المياه الجوفية المتناقصة.

تقوم تحلية مياه البحر على فكرة بسيطة نظريا: فصل الأملاح عن الماء عبر التقطير الحراري أو، بصورة أكثر انتشارا اليوم، عبر التناضح العكسي Reverse Osmosis الذي يمرر المياه تحت ضغط عال عبر أغشية نانوية دقيقة. لكن هذه البساطة تخفي شراهة للطاقة؛ فالمتوسط العالمي يقدر بنحو 4 كيلوواط لكل متر مكعب، ما يجعل الطاقة نصف كلفة المتر المكعب المنتج. ولذا يتجه التصميم الحديث إلى ربط المحطات بمزارع الرياح أو الشمس، كما في محطة حسيان بدبي التي ستدخل الخدمة سنة 2027 بطاقة 818 ألف متر مكعب في اليوم، وبمؤشر كفاءة قياسي قدره 2.9 كيلواط للمتر المكعب.

تعود البدايات العلمية للتحلية إلى أواخر القرن الثامن عشر حين اقترح توماس جيفرسون التقطير الشمسي على السفن، لكن الانعطافة الحاسمة جاءت مع الكيميائي ألكسندر زارشين الذي سجل سنة 1964 براءة طريقة التجميد بالتفريغ لفصل الملح، ثم مع الأميركي سيدني لوب الذي طور سنة 1965 أغشية التناضح العكسي التي تم تجريبها بنجاح في محطة كوالينغا بولاية كاليفورنيا.

تحتكر دول مجلس التعاون الخليجي، اليوم، نحو 40٪ من الإنتاج العالمي للمياه المحلاة، وهي تلبي أكثر من 90٪ من احتياجاتها اليومية عبر هذه التقنية. وفي الولايات المتحدة تشكل محطة كارلسباد، بقدرة 190 ألف متر مكعب في اليوم، نموذجا على التحلية في بيئة عالية الكلفة الطاقية.

على المستوى العربي الأوسع، يمضي الأردن في مشروع العقبة-عمان بمحطة تستطيع تحلية 851 ألف متر مكعب في اليوم وستضخ المياه على مسافة 450 كم لتغذية ثلاثة ملايين نسمة عند اكتمالها في 2028، ما يوفر 40 ٪ من الطلب الوطني على الشرب. تونس بدورها ترفع طاقة محطاتها، منها توسعة سوسة إلى 200 ألف متر مكعب في اليوم بحلول 2026، لمواجهة ضغط التغير المناخي على مواردها التقليدية.

فيما يبرز المغرب في شمال إفريقيا بوصفه مختبرا إقليميا، بقدرة على التحلية تصل حاليا إلى 192 مليون متر مكعب سنويا موزعة على 17 محطة، بعد أن أقر مخططا لرفعها إلى 1.7 مليار متر مكعب بحلول 2030 عبر إنشاء تسع منشآت جديدة وربطها بخط كهرباء متجدد بطول 1.400 كم لخفض كلفة الماء إلى ما دون نصف دولار للمتر المكعب. وتشمل المشاريع العملاقة محطة الدار البيضاء، بتحالف تمويلي إسباني، التي ستشرع في العمل بحوالي 548 ألف متر مكعب في اليوم في 2027 على أن تصل إلى 822 ألف متر مكعب في اليوم بعد التوسعة.

رغم كلفتها وقضايا الرجيع الملحي* Concentrated brine، تعد التحلية اليوم حلا استراتيجيا في ظل تنامي الندرة المائية وتقلب الأمطار. كما يجمع الخبراء على أن جدواها تتحقق حين تدمج مع الطاقة المتجددة وتخصص للمدن الساحلية والزراعات ذات القيمة العالية، مع مواصلة تحسين الكفاءة وتقليل البصمة الكربونية.

ولعل الخبرة التي يبنيها المغرب في شتوكة وأكادير والدار البيضاء تضعه في طليعة دول شمال إفريقيا، وتوفر نموذجا يمكن مواءمته لبلدان عربية أخرى تعاني شح المياه وارتفاع حرارة المناخ.

 

______________________

* المخلفات الناتجة عن عملية تحلية مياه البحر، وتحديدا المياه المالحة المركزة التي تطرح بعد إزالة الماء العذب.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق