في سابقة قانونية قد تشكل نقطة تحول في مسار العدالة المناخية، أصدرت محكمة الاستئناف في مدينة هام Hamm الألمانية حكما وصفته منظمات بيئية بـ”التاريخي”، إذ أقرت مبدئيا بمسؤولية الشركات المنتجة للطاقة عن الأضرار الناتجة عن انبعاثات الغازات الدفيئة، حتى وإن وقعت هذه الأضرار في أماكن بعيدة عن مواقع إنتاج الانبعاثات.
جاء هذا الحكم في إطار دعوى رفعها المزارع البيروفي ساول لوسيانو ليويا Saul Luciano Lliuya ضد شركة الطاقة الألمانية العملاقة RWE، مطالبا بتعويضات مالية عن الأضرار التي تهدد منزله الكائن قرب مدينة هواراز Huaraz في جبال الأنديز، نتيجة ذوبان الأنهار الجليدية بفعل تغير المناخ.
رغم أن المحكمة رفضت الدعوى بشكل نهائي لعدم وجود خطر ملموس على ممتلكات المدعي، حيث قدرت الخبرة القضائية أن احتمال حدوث ضرر في الثلاثين سنة المقبلة لا يتجاوز 1%، إلا أن القضاة أقروا بمبدأ قانوني بالغ الأهمية مفاده أنه من الممكن تحميل باعثي ثاني أكسيد الكربون المسؤولية عن الأضرار المناخية، بغض النظر عن موقع حدوثها، إذا ما تم إثبات وجود خطر واقعي.
المسؤولية المناخية العالمية
واعتبرت منظمات مثل Germanwatch أن هذا الحكم يفتح الباب أمام “جيل جديد من الدعاوى القضائية” التي قد تحمل الشركات الكبرى جزءا من المسؤولية عن أزمة المناخ التي تضر بالسكان في بلدان الجنوب العالمي.
وقد استند المدعي في دعواه إلى دراسة أظهرت أن شركة RWE مسؤولة عن نحو 0,38% من الانبعاثات العالمية، منذ بداية العصر الصناعي، وطالب بأن تساهم بنسبة مماثلة في تمويل مشروع لحماية منطقته من الفيضانات الناتجة عن ذوبان الجليد، والمقدر بـ3,5 مليون دولار.
وعلق المزارع البيروفي قائلا: “رغم أنني لم أحصل على تعويض، فإن هذا الحكم يعتبر خطوة مهمة نحو تحميل الملوثين مسؤولية أفعالهم. لقد أردنا أن نخلق سابقة، وقد تحقق جزء من هذا الهدف”.
تباين المواقف بين ترحيب بيئي ورفض صناعي
أعربت شركة RWE عن رفضها الشديد للحكم، ووصفت فكرة تحميل الملوثين المسؤولية عن الأضرار المناخية، في جميع أنحاء العالم، بأنها “غير مقبولة”، محذرة من “عواقب اقتصادية وخيمة على الصناعة الألمانية”.
وقالت الشركة في بيان لها: “نحن نرفض تحويل قاعات المحاكم إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية من قبل المنظمات غير الحكومية”. وأضافت أنها تسير على المسار الصحيح لتحقيق الحياد المناخي Climate Neutrality بحلول سنة 2040، وأنها أحرزت تقدما كبيرا في تقليص انبعاثاتها مقارنة بدول صناعية أخرى.
فيما رحبت منظمات وجامعات بالقرار، واعتبرته خطوة متقدمة على درب العدالة المناخية. وقالت البروفيسورة جوانا سيتزر Joanna Setzer من معهد غرانثام بجامعة لندن للاقتصاد: “هذا الحكم يعزز من زخم أكثر من 60 دعوى مماثلة ترفع حاليا ضد شركات الطاقة في مختلف أنحاء العالم”.
نحو مبدأ عالمي للمساءلة
سيعزز هذا الحكم التوجه المتزايد في الأنظمة القانونية، خاصة في أوروبا وأمريكا، نحو تبني مفهوم المسؤولية المناخية العابرة للحدود، الذي يقضي بأن الملوثين يجب أن يتحملوا مسؤولية الآثار التي تتسبب بها انبعاثاتهم حتى وإن لم تكن مباشرة أو محلية.
وإذا ما تطورت هذه المبادئ لتطبق فعليا في المحاكم، فإنها قد تفتح المجال أمام دول ومجتمعات الجنوب المتضررة من التغير المناخي لمطالبة الشركات الكبرى في الشمال بتعويضات عادلة، بما يتماشى مع مبادئ “العدالة المناخية” و”المسؤولية التاريخية”.
ورغم أن المزارع البيروفي عاد إلى بلده من دون تعويض، إلا أن صدى قضيته قد يتجاوز الأثر الشخصي، لأنه يشكل نقطة انطلاق لقضايا أخرى قد تغير مسار العلاقة بين البيئة والاقتصاد والقانون في القرن الحادي والعشرين.



















