يتجدد كل سنة النقاش حول سبب اختلاف موعد عيد الفطر وعيد الأضحى بين الدول الإسلامية، وهو نقاش يبدو في ظاهره بسيطا لكنه في عمقه يعكس تداخلا معقدا بين العلم والفقة والتنظيم المؤسسي. فرغم أن المسلمين يشتركون في نفس الشعائر ونفس التقويم الهجري، فإن لحظة إعلان بداية الشهر تظل رهينة بمعايير متعددة تجعل التوحيد أمرا صعب التحقيق في الواقع الحالي.
من الناحية العلمية، تؤكد الدراسات الفلكية أن الهلال لا يمكن أن يُرى في كل مناطق العالم في الوقت نفسه، لأن ظهوره يرتبط بعوامل دقيقة مثل زاوية ارتفاعه فوق الأفق، ومدة بقائه بعد غروب الشمس، وصفاء الغلاف الجوي. لذلك قد يكون الهلال مرئيا في مناطق غرب إفريقيا أو أمريكا اللاتينية، بينما يستحيل رصده في نفس اليوم في مناطق أخرى من العالم الإسلامي. هذا المعطى العلمي يفسر جزءا كبيرا من الاختلاف، ويؤكد أن المسألة لا تتعلق فقط بقرار بشري، بل بواقع كوني لا يمكن تجاوزه إلا باعتماد منهج موحد.
في المقابل، يعكس الاختلاف أيضا تعدد الاجتهادات الفقهية داخل العالم الإسلامي، حيث تعتمد بعض الدول الرؤية البصرية المحلية التي تقتضي أن يرى الهلال داخل حدودها، بينما تميل دول أخرى إلى اعتماد الرؤية المشتركة إذا ثبتت في أي بلد مسلم، في حين اختارت دول محدودة الاعتماد على الحساب الفلكي بشكل كلي أو جزئي. هذا التنوع الفقهي، الذي تؤكد عليه هيئات علمية وفقهية دولية، يعكس مرونة الفكر الإسلامي، لكنه في الوقت نفسه يجعل توحيد يوم العيد رهينا بتوافق جماعي لم يتحقق بعد.
ضمن هذا السياق، يبرز النموذج المغربي باعتباره من أكثر النماذج دقة في العالم الإسلامي، حيث لا يقوم تحري الهلال على اجتهاد فردي أو إعلان محدود، بل يعتمد على منظومة وطنية واسعة ومهيكلة بدقة. فالمغرب يعبئ، عند كل مناسبة لرصد الهلال، شبكة بشرية ومؤسساتية كبيرة، إذ تشير المعطيات الرسمية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى إشراك مئات المراقبين عبر التراب الوطني، يتوزعون على ما يفوق 250 إلى 300 نقطة رصد تغطي مختلف الجهات، من السواحل الأطلسية والمتوسطية إلى المناطق الجبلية والصحراوية، بما يضمن تغطية جغرافية شاملة تقلص احتمال الخطأ.
ولا يقتصر الأمر على العدد، بل يمتد إلى طبيعة الجهات المشاركة، حيث تتكون لجان المراقبة من قضاة وعلماء دين ومندوبي وزارة الأوقاف، إضافة إلى عناصر من الوحدات العسكرية المساعدة والدرك الملكي والسلطات المحلية، وهو ما يمنح العملية طابعا رسميا ومؤسساتيا متعدد المستويات. وتتم عملية الرصد بشكل متزامن بعد غروب الشمس، حيث ترفع كل لجنة تقاريرها وشهاداتها إلى المصالح المركزية للوزارة.
وتخضع هذه الشهادات لمسار تدقيق صارم، إذ لا يعتد بأي إعلان إلا بعد التحقق من تطابق الشهادة مع المعايير الشرعية والعلمية، وفي حال تعارضها مع المعطيات الفلكية التي تشير إلى استحالة الرؤية، يتم رفضها بشكل منهجي. كما تعتمد الوزارة على تنسيق مركزي دقيق يسمح بتجميع المعطيات الواردة من مختلف المناطق ومقارنتها قبل إصدار البلاغ الرسمي.
ويتميز هذا التنظيم أيضا بعدم التسرع في إعلان النتائج، حيث ينتظر المغرب استكمال جميع المعطيات الميدانية، بدل الاعتماد على إعلان دول أخرى، وهو ما يجعله أحيانا يختلف في موعد العيد، لكنه يحافظ في المقابل على مستوى عال من الموثوقية. كما أن هذا النموذج يجمع بشكل متوازن بين الرؤية البصرية المباشرة باعتبارها الأصل الشرعي، والاستئناس بالحسابات الفلكية باعتبارها أداة علمية مساعدة لضبط الإمكانية أو الاستحالة.
وهكذا، لا تعكس طريقة المغرب في تحري الهلال مجرد إجراء ديني، بل تمثل نموذجا مؤسساتيا متكاملا يقوم على الانتشار الميداني الواسع، وتعدد المتدخلين، والتدقيق العلمي، وهو ما يفسر اعتباره من أكثر النماذج صرامة ودقة على مستوى العالم الإسلامي.
ورغم كل هذا التطور العلمي والتنظيمي، يظل توحيد يوم العيد أمرا صعبا في الوقت الراهن، بسبب غياب مرجعية دينية موحدة على مستوى العالم الإسلامي، واستمرار تمسك الدول بسيادتها في اتخاذ القرار، إضافة إلى استمرار الخلاف الفقهي حول مدى اعتماد الحساب الفلكي. لذلك يبدو أن الاختلاف سيستمر، ليس كعلامة ضعف، بل كنتيجة طبيعية لتعدد المقاربات داخل فضاء إسلامي واسع ومتنوع.
وفي المحصلة، لا يعكس اختلاف يوم العيد انقساما في الدين بقدر ما يعكس اختلافا في طرق تنزيله، بين من يراهن على دقة الرصد الميداني ومن يميل إلى توحيد الحسابات الفلكية، وبين من يعطي الأولوية للسيادة الوطنية ومن يبحث عن توحيد الشعيرة عالميا. وبين كل هذه المقاربات، يظل التحدي الحقيقي ليس في أن نعيد جميعا في يوم واحد، بل في أن نحافظ على ثقة الناس في القرارات المعلنة، وأن نجعل من العلم والدقة والوضوح أساسا لأي إعلان، لأن وحدة الشعور بالعيد لا تختزل في التاريخ، بل تتجسد في المعنى المشترك الذي يجمع المسلمين أينما كانوا.




















عذراً التعليقات مغلقة