الدكتور يوسف الگمري: المرأة القروية مسؤولة عن نصف إنتاج الغذاء في العالم

ECO1726 أكتوبر 2024
الدكتور يوسف الكمري، أستاذ باحث في علوم البيئة واستشاري لدى العديد من المنظمات غير الحكومية الدولية والاقليمية والوطنية في قضايا المرأة والتنمية المستدامة.
الدكتور يوسف الكمري، أستاذ باحث في علوم البيئة واستشاري لدى العديد من المنظمات غير الحكومية الدولية والاقليمية والوطنية في قضايا المرأة والتنمية المستدامة.
خديجة مبتسم

تلعب المرأة القروية دورا محوريا في تعزيز البيئة وحمايتها حول العالم، حيث ترتبط حياتها اليومية ارتباطا وثيقا بالطبيعة، لأنها تتعامل مع الموارد الطبيعية مثل المياه والتربة والنباتات بشكل مباشر، مما يجعلها جزءا لا يتجزأ من العمليات البيئية. ومن خلال ممارساتها التقليدية ومعرفتها المحلية، تساهم المرأة القروية في الحفاظ على النظم البيئية وضمان استمراريتها للأجيال القادمة.

وفي المغرب أيضا، فإن المرأة القروية لها دور حيوي في الحفاظ على البيئة وتحقيق التنمية المستدامة، خاصة وأن  العديد من الأسر القروية تعتمد على مساهمة المرأة في الزراعة وتدبير الموارد الطبيعية، وبفضل معرفتها المتوارثة عبر الأجيال، تسهم في إدارة المياه، والحفاظ على التربة، وزراعة المحاصيل بطرق تحافظ على التوازن البيئي، كما تشارك في مبادرات محلية تهدف إلى تحسين البيئة ومحاربة التصحر.

وتتمتع المرأة القروية المغربية بخصوصيات تميزها عن غيرها من نساء العالم، فهي تعيش في مجتمع متنوع يجمع بين التقاليد العريقة والتطورات الحديثة، إضافىة إلى ارتباطها الوثيق بالبيئة والطبيعة.

وأجرت جريدة “إيكو 17 ECO”، حوارا مع الدكتور يوسف الگمري، أستاذ باحث في علوم البيئة واستشاري لدى العديد من المنظمات غير الحكومية الدولية والإقليمية والوطنية في قضايا المرأة والتنمية المستدامة.

-المرأة القروية في صلب الاهتمامات الدولية والوطنية، ماذا يعني ذلك بالنسبة لكم ؟

لقد حددت الجمعية العامة، بموجب قرارها 136/62 المؤرخ في 18 ديسمبر 2007، الخامس عشر (15) من شهر أكتوبر بوصفه يوما دوليا للمرأة القروية، تسليما منها لما تضطلع به النساء القرويات، بما فيهن نساء الشعوب الأصلية، من دور وإسهام حاسمين في تعزيز التنمية الزراعية والريفية وتحسين مستوى الأمن الغذائي والقضاء على الفقر في الأرياف.

وتحث الدول الأعضاء على مواصلة التعاون مع منظمات الأمم المتحدة والمجتمع المدني، حسب الاقتضاء، وبذل الجهود من أجل تنفيذ نتائج مؤتمرات القمة التي تعقدها الأمم المتحدة وكفالة متابعتها على نحو متكامل ومنسق، بما في ذلك استعراضاتها، مع إيلاء أهمية أكبر لتحسين حالة النساء القرويات، بمن فيهن نساء الشعوب الأصلية، في استراتيجياتها الإنمائية الوطنية والإقليمية والعالمية.

-في نظركم، ما العلاقة الطبيعية التي تربط المرأة القروية بالأوساط الطبيعية ؟

تحافظ المرأة القروية على الطبيعة من أجل مستقبلنا الجماعي، فهي  تعد مسؤولة عن نصف إنتاج الغذاء في العالم وكذا في البلدان النامية، حيث تنتج ما يصل إلى 80 في المائة من الغذاء. وتعلمت النساء، كمزارعات، كيفية التعامل مع تغير المناخ والتكيف معه، على سبيل المثال، من خلال ممارسة الزراعة المستدامة في انسجام مع الطبيعة أو التحول إلى البذور المقاومة للجفاف أو استخدام تقنيات منخفضة التأثير أو إدارة التربة العضوية أو قيادة جهود إعادة التشجير على مستوى المحلي.

ولطالما كانت نساء الشعوب الأصلية في واجهة الحفاظ على البيئة، من خلال معارف وممارسات الأسلاف التي لا تقدر بثمن والتي تبني القدرة على الصمود في مناخ متغير.

وفي هذا الصدد، يمكن أن نأكد لكم على أن الظروف الطبيعية، والمجالية والتقلبات المناخية التي شهدها العالم أكسبت النساء القرويات جملة من المعارف والمهارات والتقنيات التي تختلف باختلاف الموقع الجغرافي، سواء على صعيد تخزين المنتجات الفلاحية وغلات الحبوب والأغذية أو تدبير الموارد المائية، أو حتى تدبير النفايات المنزلية وإعادة استعمالها كسماد عضوي. هذه المعارف تتيح للنساء القرويات المساهمة في الحفاظ على النظم الإيكولوجية وتمكنهن من الصمود والتأقلم مع التغيرات المناخية التي تعيشها بعض المناطق الجغرافية المعرضة للتقلبات المناخية، وتلك التي تعاني أساسا من الجفاف الطويل الأمد، وحرائق الغابات والتساقطات القوية والمنحصرة في فترات زمنية محددة وفي مناطق معينة.

-إذا ما ركزنا على المرأة القروية والتأثيرات المناخية، ما وجهة نظركم  في هذا الموضوع ؟

لا تؤثر أزمة المناخ على الجميع بالتساوي، إذ تواجه النساء والفتيات تأثيرات غير متناسبة لتغير المناخ، ويرجع ذلك إلى حد ما، لكونهن يشكلن غالبية فقراء العالم اللواتي يعتمدن بشكل كبير على الموارد الطبيعية المحلية في معيشتهن.

وفي المناطق الريفية على وجه الخصوص، غالبًا ما تتولى النساء والفتيات مسؤولية تأمين الغذاء والماء والحطب لأسرهن. ففي أوقات الجفاف وعدم انتظام هطول الأمطار، تعمل المرأة القروية بجهد أكبر، وتمشي لمسافات أبعد، وتقضي المزيد من الوقت في تأمين الدخل والموارد لأسرتها، الأمر الذي يعرضها للعنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم النزاعات وعدم المساواة ومواطن الضعف القائمة.

-ما دور ها في تثبيت الارتباط بالأرض وترسيخ القيم البيئية في الأسرة والمجتمع؟

في ظل تسارع وتيرة التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض، لا يمكننا إغفال تجارب وخبرات النساء القرويات في مجال التكيف والتخفيف من آثار التغيرات المناخية، لأنهن لا يمتلكن فقط المعارف التقنية ذات الصلة بالأرض والموارد الطبيعية التي من شأنها المساهمة في إيجاد حلول ذكية للتكيف مع آثار التغيرات المناخية، وإنما يمتلكن أيضا الثقافة التي تمكنهن من التعايش مع البيئة بطريقة مستدامة مبنية على أسس الاحترام، والرعاية والاكتفاء.

ويمكن الإشارة إلى أن المرأة القروية قادت حركات المناخ العالمية والوطنية التي سلطت الضوء على مدى إلحاح أزمة المناخ، والحاجة إلى العمل من أجل هذا الجيل وأجيال المستقبل. كما تساهمن أيضا في قيادة التغيير كمستهلكات وعاملات وقائدات ورائدات أعمال سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع، وأيضا من خلال التربية النظامية وغير النظامية للناشئة. لهذا حان الوقت للاستثمار في المرأة القروية باعتبارها قوة كبيرة للتغيير، وتقود الطريق إلى مستقبل أكثر استدامة.

-ما المعيقات الأكثر تفشيا والتي تعيق لعب هذا الدور من طرف المرأة القروية؟

المرأة القروية، من الناحية المؤسساتية، تعرف إقصاء شبه كلي، حيث أن أغلب النساء القرويات أميات لا يعرفن شيئا عن المؤسسات الدستورية والمحلية ومؤسسات المجتمع المدني، لذا فإن عنصر التهميش مكون باصم لصورة الوسط القروي.

ويمكننا أن نكتشف مظاهر الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي بسهولة، ومعاناة النساء القرويات لا يقتصر فقط على عدم استفادتهن من الخدمات العمومية والبنية التحتية، بل يتجاوز ذلك ليصل إلى الأنشطة التي قدمها المجتمع المدني خصوصا، والجمعيات النسائية التي تعنى بقضايا المرأة القروية. وفضلا عن ذلك، تعاني كثير من النساء القرويات من العزلة وانتشار المعلومات المغلوطة وغياب القدرة على الحصول على التقنيات الضرورية لتحسين أعمالهن ومعايشهن.

-نقل الممارسات الفضلى والصديقة للبيئة إلى الأجيال، هل الأمر سهل بالنسبة للمرأة القروية؟

يعد تثمين عمل المرأة القروية فرصة للوقوف عند الأهمية والدور اللذين تلعبهما في التنمية القروية، وكذا في الحفاظ على الموروث الثقافي الأصيل، من مختلف التقاليد والعادات ومظاهر الثقافة المادية والرمزية المتجدرة في حياة المجتمعات. وبناء على مجموعة من التقارير، فإن تأثير برامج ومشاريع تنمية الوسط القروي تظل دون مستوى انتظارات الساكنة وحاجياتها، ذلك أن معدل الأمية في صفوف الساكنة القروية، خاصة في صفوف البنات، لا يزال مرتفعا، كما أن الفقر والهشاشة يتمركزان أساسا في المناطق القروية، سيما المناطق الجبلية والمناطق النائية حيث لا تزال البنيات التحتية تتسم بالضعف، فضلا عن ضعف الولوج إلى الخدمات والبنيات التحتية الاقتصادية والاجتماعية والتربوية. لهذا، نؤكد على أن المرأة القروية الواعية تمثل أساس استمرارية تلك الممارسات الجيدة وأساليب العيش المستدام حيث تعيد إنتاجها بطرق متعددة، لتنقلها للأجيال الصاعدة.

-تأقلم وصمود المرأة القروية أمام التحديات البيئة الراهنة؟

إن نساء القرى يُعتبرن  بمثابة قوة إنتاجية رئيسية في التنمية، إذا توفرت لهن الظروف الملائمة من التجهيزات والبُنى التحتية كالنوادي والجمعيات والتعاونيات النسوية، ومختلف الوسائل الضرورية للعيش في كرامة مثل المرافق الصحية والطرق والماء والكهرباء وغيرها. وإذا كان النموذج التنموي الجديد ألح على أهمية إشراك المرأة القروية في المجالات الاقتصادية والتنموية المدرّة للدخل، فإن ذلك من شأنه أن يساهم في تحقيق المساواة بين الرجال والنساء، وتوفير الشروط الضرورية لكي ينلن حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية التي ما زالت مفقودة في بعض الأوساط القروية بسبب عوامل قائمة على التمييز ضد المرأة القروية.

-وهل يمكن اعتبارها – أي المرأة القروية – محركا لدعم جهود الحد من تغير المناخ؟

نظرا لوجود النساء على الخطوط الأمامية لأزمة المناخ، فإنهن في وضع فريد يؤهلهن ليكُنَّ عوامل تغيير للمساعدة في إيجاد طرق للتخفيف من أسباب ظاهرة الاحتباس الحراري والتكيف مع آثارها على أرض الواقع. ففي المجال الزراعي، ساهمت المرأة في ضمان الأمن الغذائي من خلال المساهمة في استدامة الموارد الطبيعية والحفاظ عليها بطريقة طبيعية، كالعناية بالحبوب، وببذور الخضروات والفواكه وبشتلات الأشجار وإعادة زرعها في موطنها الأصلي. وكذلك أتاحت تقنية جرح الأشجار الصغيرة ضمان وفرة المنتوج وجودته.

-توصياتكم بخصوص دعم المرأة القروية …

يجب أن تكون المرأة القروية في قلب استراتيجيات التنمية المستدامة، لأن دورها أساسي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما في مكافحة الفقر وتحقيق المساواة بين الجنسين. لذا نرى أنه من الواجب تحقيـق فعلية المقاربـة الإدماجية للمسـاواة بيـن المـرأة والرجـل فـي سياسـة التنميـة القرويـة، ووضـع تدابيـر إيجابية لتمكين المرأة القروية، من أجل تجاوز الحواجز البنيوية والثقافية، والقضاء على الممارسات التمييزية، وكذا ضمان مواكبة القرب للفاعلين المحليين والساكنة القروية وتعزيز قدراتهم، وإدراج البعد البيئي وفق مقاربة النوع الاجتماعي ضمن أولويات السياسة التنموية القروية، وجعل الدراسات المتعلقة بتأثير مختلـف المشاريع على البيئة تلقائية، وذلك ضمانا لتدبير عقلاني ومستدام واستباقي للموارد الطبيعية غير المـستغلَّة بما يكفي، والمعرَّضَة لسوء التدبيـر في بعـض الأحيان.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق